وجه الحاجة إلى التنظير الفلسفى :
فى مختلف أوجه النشاط الإنسانى ، يمكن
للإنسان أن يلاحظ أنه فى كل ما يصدر إنما يصدر عن " رؤية "
بعينها ، ولنفرض أننا أمام موقف بسيط فى سوق لبيع الأقمشة
، فهذا بائع حريص على التطبيق الأمثل لمقولة " أن الزبون
دائما على حق " ، فلا يكل ولا يتضجر من كثرة طلبات الزبون
فى أن يريه هذا وذاك من الأثواب ، يصعد إلى أرفف أعلى
ويهبط ، ومع ذلك فلا يعجب الزبون هذا أو ذاك ، ويمر وقت
طويل ، وقد ينتهى بألا يشترى شيئا 0 وقد يجئ زبون آخر
ليكرر السلوك نفسه ، ويجد البائع أن من المحتم عليه أن
يستمر فى سلوكه القائم على الصبر والملاينة والملاطفة 0
إن البائع هنا فى كل ما يفعل ، تحركه
فكرة ، وربما " نظرية " تقوم عليها أنشطة الاقتصاد
الليبرالى ، وهى أن " الزبون " هو الهدف وهو الفيصل
والمعيار ، ولابد من استرضائه بكل السبل ، فالمحل ،
والعاملون فيه هم لخدمته 0
ولو انتقلنا إلى وضع آخر ، حيث يقوم
السوق على سيطرة الدولة على قوى الإنتاج ، واحتكارها ، لا
يجد " الزبون " أمامه فرصا للاختيار والانتقاء ، فما يباع
هنا هو نفسه الذى يباع هناك ، ويدرك البائع أن " الزبون "
مضطر إلى أن يأخذ ما يوجد أيا كان ، فالسعر موحد ، والسلعة
التى تباع هنا هى مثل تلك التى تباع فى أماكن أخرى ، فلا
يجد نفسه مضطرا أن يسترضيه ، فإن أعجبته السلعة واشتراها
كان بها ، وإن لم تعجبه ، فليذهب إلى الجحيم ، فهو سوف
يتسلم راتبه أول الشهر الجديد ، بغض النظر عما تم بيعه أو
لم يتم 0
ليس القصد هنا هو أن نقارن بين اتجاه
وآخر ، ولا بين سياسة وأخرى ، ونقيم كلا منهما ، وإنما أن
نبين أن الإنسان هنا يتحرك وفق " توجه " ، أو قل وفق "
نظرية " ، وإن شئت قلت ، وفق " فلسفة " بعيهنا 0
إن البعض يتصور مقولتنا بأن الإنسان
يقترح وينشط غالبا وفق " فلسفة " بأنها " كلام كبير " ،
بينما الحياة تمضى أبسط من ذلك ، بغير تعقيدات الفلسفة
وتنظيراتها وغموضها ، ولا نريد هنا أن نتجاوز حدود ورقتنا
لنناقش تهافت هذا الاتهام ، وإنما نكتفى بالإشارة إلى أن
ما نقصده بالفلسفة هنا هنا " فكرة عامة " كلية 00وجهة نظر
عامة كلية 00خريطة فكرية 0 إن الفلسفة بهذا المعنى ليس
عملا احترافيا يقتصر على أمثال أفلاطون وأرسطو والغزالى
وابن سينا ، وإنما هى صورة من صور الوجود الإنسانى تستطيع
أن تجدها لدى المفكر الكبير ، والعالم العظيم ، كما تستطيع
أن تجدها لدى العامل البسيط ، والإنسان العادى ، فى المعمل
، وفى المكتب ، وفى الحقل ، وفى السوق 0
كل ما هنالك أن المفكر الكبير ، والعالم
العظيم يكونا على دراية بما يحركهما من توجه ، ومن سياسة ،
ومن خريطة فكرية ، بينما لا يكون الإنسان العادى ، والعامل
البسيط على وعى بما يحركه ويدفعه إلى هذا المنحى أو ذاك 0
كذلك فإن المفكر الكبير ، والعالم العظيم
، يراعى الاتساق والترابط والتكامل بين ما يقول به هنا وما
يقول به هناك ، بين ما يفعله فى هذا المجال ، وما يفعله فى
المجال الآخر0
إن الدور الذى تقوم به الفلسفة هنا هو
الدور نفسه الذى تقوم به الخريطة الجغرافية ، فكما أن
الخريطة توجه حركة سيرنا إلى الأماكن المرادة ، كذلك توجه
الفلسفة ، أو قل الخريطة الفكرية ، الإنسان إلى هذا المقصد
أو ذاك ، وكما أنه ، بالقدر الذى تكون به الخريطة
الجغرافية دقيقة صحيحة ، بالقدر الذى تيسر فيه للإنسان
حركة السير السليم ، كذلك الفلسفة ، بالقدر الذى تتسم فيه
بالوضوح والدقة والسوية ، بالقدر الذى يصح فيه نشاط
الإنسان وحركته 0 ولو تصورنا إمكان أن يسعى الإنسان ويسير
، بغير خريطة ، لأمكننا تصور إنسان يسعى فى الحياة عشوائيا
، بغير هدى ولا كتاب منير 00كم من الجهد البدنى والنفسى
والعقلى سوف ينفق ، بغير طائل ؟ بل إنه قد يضل الطريق ،
ويذوق من ألوان العذاب وتحمل نتائج الخطأ والتخبط ما يجعل
حياته عذابا وجحيما ، بل ربما يصيبه باليأس والإحباط 0
إذا كان هذا صحيحا لعموم مسلكنا فى
الحياة ، فماذا يكون الأمر عندما نكون بصدد عملية بناء
بشرى ؟
إن الأمر هنا قد لا يختلف فى كثير أو فى
قليل عندما نقارن عملية بناء بشر بعملية بناء حجر ، فكما
أن عملية بناء المساكن والمنشآت المختلفة لابد أن تتم بناء
على " تصميم " أو " نموذج " يضعه مهندس متخصص فى التصميم ،
كذلك عملية بناء الإنسان ، لابد أن تتم وفق " تصميم " أو "
نموذج " بعينه 0
فليكن الهدف فى مجتمع أنه يريد أن يبنى
إنسانا يعرف ربه ويعتز بوطنه ، ويحسن المعاشرة والمرافقة
لغيره من الناس ، ينزع إلى أن يمضى حياته بانيا ينثر الخير
بين ربوع البلاد حيثما استطاع إلى ذلك سبيلا ، واسع الصدر
، متفتح العقل ، نقدى التفكير 000 إلىغير هذا وذاك من
خصائص وسمات نحلم بها مكونة للإنسان 000
إن تلك " صورة " لإنسان منشود 000هوية
لبشرمرغوب فيهم ، وتحقيقها وتشخيصها بحاجة إلى " مادة " و"
طريقة " 000هى مثل ما يحمله-مثلا النجار من صورة لشئ يريد
أن يصنع : مكتب ، سرير ، دولاب ، كرسى 000إلخ ، وهو لكى
يحقق هذه الصورة ، بحاجة إلى " مادة " تتمثل بصفة أساسية
فى الخشب ، وإلى أدوات ، وإلى طريقة : يعمل بها، والصورة
التى نريد تحقيقها بالنسبة للإنسان ، مادتها معارف وحقائق
ومعلومات وقيم واتجاهات ومهارات تنتظم فى صورة " منهج " ،
وطريقتها ، هى طريقة التعليم والتدريس 0
فكأن نوعية الصورة هى التى تحدد المادة
المرادة وطريقة التعامل معها ، ومن هنا ندرك مغزى الترتيب
التى ترتب به تلك الأسئلة المشهورة المكونة للفكر التربوى
: لماذا نعلم ؟ من نعلم ؟ ماذا نعلم ؟ كيف علم ؟ إذ لابد
أن نحدد أولا الهدف الذى نريد تحقيقه ، وتحديد الهدف هو
النشاط الأساسى للعملية الفلسفية 0
وإذا كان هذا الذى أبرزناه مما يؤكد تلك
العروة الوثقى بين الفلسفة والمناهج ، فإنه لا يغيب عن
بالنا أن الفلسفة ، كما هو معروف ، مادة وطريقة ، فهى
كمادة تتمثل فى مختلف الآراء والمواقف الفلسفية التى برزت
لدى عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الذين شهدهم تطور
الفكر البشرى عبر عصور التاريخ المختلفة ، وربما لا يعنينا
هذا الجانب إلا فى بعض أجزائه كما سنشير بعد قليل 0
لكن الشطر الآخر من الفلسفة ، ألا وهى
كونها منهجا فى التفكير ، فهو الذى يعنينا بالدرجة الأولى
، فما من موقف تعليمى ، فى أى منهج ، إلا وهو يتطلب هذا
النهج 0 إننا لا نعنى بذلك ، ما هو شائع بين كثرة من الناس
، مما يدخل فى باب " الظلم الفكرى " إذا صح هذا التعبير ،
ألا وهو التجرد من الوقائع والأحوال ، والجنوح إلى سماء لا
يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم ، ولكننا نعنى التعمق
فى الأمور ، وعدم الوقوف عند مظاهرها الشكلية ، والسعى إلى
الربط العلى بين الأسباب والنائج ، ومحاولة تصور العواقب :
ماذا سوف تكون ؟ والوعى بالصورة العامة الكلية ، وفهم جملة
العلاقات التى تبط بين مفردات موضوع الدرس والتعليم
والتفكير 0
وعلى الرغم من هذا التركيز الذى نؤكده
على " الطريقة " الفلسفية ، إلا أننا من ناحية أخرى لابد
أن نعترف بأن هناك فى " المادة " المعرفية الفلسفية ما
لابد أن يكون وثيق الصلة بالمناهج ، ألا وهو الموضوع الخاص
" بالمعرفة " ، وكذلك " طبيعة الإنسان " 0
إننا نعى جيدا أن " المقرر " هو جزء من
" المنهج " ، ونعى جيدا أنه – وحده – ليس مربط الفرس فى
العملية التعليمية ، ومع ذلك فنحن لا نستطيع أن ننكر –
واقعا – أنه يأتى فى مقدمة عناصر منظومة المنهج 0
ونحن نعى جيدا أننا حتى ولو اختزلنا
المنهج فى " مقرر " فلابد أن يظل " المحتوى " واحدا ضمن
عناصر أخرى 0 ومع ذلك ، فنحن لا نستطيع – واقعا – أن ننكر
أن المحتوى هو محط الاهتمام الأساسى عند الكثرة الغالبة من
المسئولين ، وأولياء الأمور ، والتلاميذ 0
هنا نجد أنفسنا وجها لوجه أمام باب من
أهم أبواب الفلسفة ، ألا وهو نظرية المعرفة ، أو مشكلة
المعرفة ، فكما سوف نؤكد ، من خلال أجزاء تالية ، تتصل
بفلسفات قديمة ووسيطة وحديثة ومعاصرة ، يتحدد المحتوى وفقا
لنظرية المعرفة القائمة ، ترى ذلك فى الفلسفات المثالية ،
والفلسفات الدينية ، والواقعية ، والمادية ، وإن اختلفت
الأهداف والتوجهات 0
إن نظرية المعرفة تنتظمها مسائل عدة :
منها ما يتصل بطبيعة المعرفة ، وهل هى
ممكنة أم لا ؟
ومنها ما يتصل بدرجتها ومستواها من حيث
اليقين أو الاحتمال أو الترجيح 0
ومنها ما يتصل بوسائلها : هل هى الحواس
؟ أم العقل ؟ أو الحدس ؟ أم الوحى ؟ أم كل هذا ؟ أم بعض
منه ؟
ومنها ما يتصل بمصادرها : هل تجئ من
خالص العقل والتأمل الفكرى أم من الخبرة والواقع ؟ ، أم
منهما معا ، أم من مصدر آخر مفارق لهذه الدنيا التى نعيشها
ونخبرها ؟
هل يستطيع أحد أن يشكك لحظة فى أن
الموقف من مثل هذه المسائل والقضايا ، يحد ، إلى حد بعيد
الموقف من قضايا المنهج والمقرر والمحتوى ؟
ثم انظر كذلك إلى هذا الباب الضخم من
المسائل والقضايا الفلسفية التى تتصل بالإنسان ، طبيعة ،
وأصلا ، ومصيرا ، وتكوينا 000
سيهب البعض على الفور أن تلك المسائل قد
خرجت من باب الفلسفة بعد أن توفر على بحثها ودراستها علماء
نفس عديدون ، بحيث لم نعد أمام " فلسفة النفس " ، كما
رأيناها عند ارسطو – مثلا – فى كتابه عن النفس ، وإنما
أصبحنا أما " علم النفس " ، وفرق كبير بين ( علم ) للنفس ،
و( فلسفة ) للنفس 000
إنه تحفظ منطقى ومعقول ، ومع ذلك فهناك
من الجوانب والنقاط ما ظل عصيا على البحث التجريبى فى
السلوك الإنسانى ، بحيث يظل موضوعا للتفكير الفلسفى 0
إننا من غير شك ما زلنا نتذكر تلك
المقولة الشهيرة التى أسست للمدرسة السلوكية ، والقائلة
بأن بأن كل ما يوجد يوجد بمقدار وكل ما يوجد بمقدار يمكن
أن يقاس ، ومع ذلك – دون الدخول فى تفصيل ذلك لأنه سيخرجنا
عن قضيتنا – فقد ظلت جوانب نشعر بوجودها ، ولكننا لا
نستطيع أن نخضعها لتلك المقولة الشهيرة : فما هذا الذى
يحدث بالضبط – مثلا - عندما يرى الإنسان " حبيبا " فيجد
ضربات قلبه تسرع ، ويتصاعد الدم إلى رأسه ، ويختزل كل ما
هو موجود فى الدنيا فى هذا الإنسان الموجود أمامنا ؟ بل
قلنا ليس بالضرورة أن يوجد أمام نظرنا مباشرة ، إذ قد يكفى
حضور الصورة إلى الذهن أو حتى مجرد ذكر الإسم عفوا وبغير
قصد ؟!!
وما هذا الذى يسمونه " توارد خواطر " ؟
وما هذا الذى يحدث عندما يقف الإنسان أمام آية من آيات
الله فى خلقه فيشعر فيض من الإيمان يغمر قلبه ، وبلحظات
مفعمة بمشاعر الامتنان والحمد لله عز وجل 00 وهكذا
من هنا ، مرة أخرى ، إذا كنا نقر ونعترف
أن هناك جوانب من الإنسان خضعت بالفعل للبحث العلمى
المنهجى وتوصل فيها العلماء إلى نتائج اكتسبت قدرا معقولا
من الثقة ، إلا أننا فى الوقت نفسه لابد أن نسلم بأن فى
الإنسان أضعاف ما عرف لم يعرف بعد ، وأنه لا وسيلة إلا
إمعان التفكر فيه ، لا عن طريق سبحات خيالية وإنما تفكير
يحكمه التعقل والتدبر والتأمل والتعمق ، ويهتدى بالمنطق
والدقة ، ويتحرك بالنقد والتمحيص والتحليل 0
ولأن الإنسان هو موضوع التعلم ، بل هو
دافعه ، وغايته ، تصبح النظرة إليه هى الحاكمة للنظرة إلى
كل من المادة المعرفية وطريقة تعليمها وتعلمها 0
من أجل هذا كان تأكيدنا فى هذه الورقة
على الحاجة إلى التنظير الفلسفى بالنسبة للمناهج 0
ويبقى أمامنا تساؤل نراه مهما ألا وهو :
من يقوم بهذا التنظير الفلسفى : هل هم أهل النظر الفلسفى
فى التربية المتخصصون المتفرغون لهذه المهمة ، أم هم أهل
المناهج أنفسهم ؟
هنا قد تبدو لكل جانب حجته المنطقية ،
فأهل النظر الفلسفة التربوى يستندون فى دعواهم إلى تمرسهم
بهذا المنحى وتفرغهم له وعلمهم بأبعاده ، وتعمقهم فى
جوانبه ، لكن أهل المناهج يرون أن أهل مكة أدرى بشعابها 0
ولا نقصد بأى حال من الأحوال تقديم حل توفيقى عندما نقول
أن عملية التنظير لابد أن تكون شركة بين الفريقين ، ولكنها
الحقيقة التى نعتقد في صحتها ، فأهل النظر الفلسفى التربوى
قلما يعيشون واقع التعليم : فى كتبه المدرسية وفصوله
الدراسية ، وتلاميذه وامتحاناته ونتائجه ، وفى الوقت نفسه
فإن أهل المناهج منغمسون فى معظم الأحوال فى حركة هذا
الواقع ، وقد لا يفرغون إلى التأمل والمراجعة والنظر الكلى
0
الخبرة الحضاريـــــة
فى الغرب قديما وحديثا :
من غير مضى فى العمق فى خضم التاريخ
الحضارى ، سوف نتوقف قليلا أمام بعض النماذج الفكرية التى
تكشف لنا كيف أن عددا من الفلسفات الكبرى قد شكلت إلى حد
كبير ، ولحقب عدة طويلة ، نظرتنا إلى مفهوم المعرفة ،
وبالتالى رؤيتنا إلى ما يجب أن يتعلمه المتعلم 0
1-
وأول وأقدم ما يقابلنا هو الطريقة
السقراطية فى التعليم 000
فمن المعروف أن فيلسوف اليونان الشهير
كان يرى أن " التعلم تذكر ، والجهل نسيان " ، بمعنى أن
الذى سوف يقوم بعملية تعليم ، لن ينشئ معرفة من عدم ،
فالمعرفة فى الأصل مركوزة فى نفس المتعلم ، لكن ما يكون
عليه من تكوين بدنى ، وغرق مستمر فى عمليات المعيشة
والحياة اليومية ينسيه ما سبق أن وضع فى فطرته من معارف
ومعلومات ، علما بأن ما يقصده من معارف ومعلومات ، هو تلك
المفاهيم الأساسية التى تنتظم كل ما فى هذا الكون الذى
يوجد فيه الإنسان ، ليست هى تلك المعلومات التى تتصل بهذه
الشجرة أو تلك مثلا مما نجده حولنا من أشجار نخيل وبرتقال
وتفاح وموز 000 إلخ ، وإنما مفهوم الشجرة على وجه العموم ،
ذلك أن الإنسان إذا عرف معنى الشجرة هذا العام ، سهل عليه
بعد ذلك أن يطبق هذا المعنى أو هذا المفهوم على ما يقابله
من أنواع الأشجار فيقف على حقيقته 0
وما دامت المعرفة تتعلق بالمفاهيم أساسا
، وما دامت عملية التعلم تذكرا ، فإن هذا يلقى العبء
الأكبر على عاتق المتعلم نفسه ، ويصبح دور المعلم هاديا
ومرشدا ، وليس ملقنا 0
ووسيلة المعلم هنا فى التوجيه والإرشاد
المعرفى هى أن يقوم بإدارة " حوار " مع الراغب فى التعلم ،
مع ثقة بأن التلميذ لابد واصل إلى صحيح المعرفة ، طالما
كان المعلم ماهرا فى إدارة الحوار ، وطالما كانت هناك ثقة
فى " فطرية " المعرفة 0
ولم تكن عملية التعليم والتعلم تقف عند
حدود المعرفة ، وإنما المعرفة مجرد طريق ، وخطوة نحو هدف
عظيم ألا وهو الفضيلة الأخلاقية ، فالسلوك الفاضل هو كذلك
لأنه ينبنى على معرفة بما هو فاضل ، والسلوك الانحرافى
إنما يجئ فى حالة نقص المعرفة والجهل بما يجب أن يكون عليه
السلوك الفاضل ، وبالتالى فكلما عرفنا الأبناء بالمفاهيم
المتصلة بالحق والخير والجمال ، وما يتصل بكل من هذا وذاك
من قيم وفضائل ، كلما وضعناهم على الطريق الصحيح نحو
الحياة الأخلاقية الفاضلة 0
صحيح أن الخبرة البشرية ، فضلا عن
الدراسات والبحوث العلمية ، قد كشفت عن أن المعرفة الصحيحة
بالقيم الأخلاقية لا تعنى بالضرورة ضمان امتثالها سلوكا ،
لكن أهم ما اكتسبه الفكر التربوى من الجهد السقراطى هو
طريقته فى الحوار ، حتى لقد عاد الاهتمام بها منذ عقود
قليلة باسم " الطريقة السقراطية " ليتم التعليم والتعلم
بها فى بعض المقررات وخاصة تلك التى تندرج فى فئة ما يسمى
بالمواد الفلسفية فى التعليم العام فى بعض الدول العربية ،
والتى نعنى بها : الفلسفة ، والمنطق ، وعلم الاجتماع ، بل
لقد قام بعض الباحثين ببحوث حصلوا بها على درجات علمية ،
باستخدام الطريقة السقراطية فى التعلم والتعليم 0
2- وهناك أيضا نظرية أفلاطون فى " المثل
" 000
وعلى الرغم من القدم الملحوظ لهذه
النظرية مما قد يوحى بالانصراف عن عدها مثالا ونموذجا يحق
لنا الاستشهاد به ، إلا أننا وجدنا التوقف السريع عندها
ضروريا لمبررات أساسية:
أولها ، أنها لم تكن مجرد وجهة نظر
لمفكر فرد ، وإنما هى انعكاس حقيقى لفلسفة اجتماعية ظلت
حاكمة قرونا عدة ، لا نبالغ إذا قلنا أن وجودها استمر حتى
العصر الحديث ، على الرغم مما واصله من تغيرات كبرى قلبت
الكثير من المفاهيم والتوجهات والأوضاع والمعارف رأسا على
عقب ، أما هذه الفلسفة الاجتماعية فهى التى رأت قسمة
المجتمع إلى أكثرية تعمل وتكد وتشقى وتطيع ، وأقلية تحكم
وتفكر وتقرر 0
ثانيها ، أن نظرية أفلاطون كانت أكثر من
غيرها تأثيرا على عدد غير قليل من مفكرى الأمة العربية
والإسلامية ، ربما نتيجة ما يوحى به التوجه الدينى على وجه
العموم من ترفع على المادة ، وميل إلى ما هو روحى ومثالى 0
ثالثها ، أن التوجه المثالى فى الفكر
الفلسفى كانت له حاكمية ملحوظة فى كل أنحاء الدنيا ، وفى
كل الحقب والعصور ، على الرغم من تعدد صوره وتنوع مبرراته
وسياقاته ، ويبدو أن هذا ربما نتيجة هذا النزوع الفطرى لدى
البشرية إلى محاولة تجاوز صخب الواقع بشروره وآلامه ،
بمشكلاته وضغوطه ، من المحتمل ، هربا ، ومن المحتمل تصورا
لما هو أفضل 0
ولو تأملنا ذلك التدرج الذى أخذته مواد
التعليم فى النظام التعليمى الذى تصوره أفلاطون فى جمهورته
، فسوف نجد " الفلسفة " تقف على القمة ، وقبلها بمسافة
قصيرة ، الرياضيات ، على أساس ما كانت تتسم به فى تلك
العصور القديمة من تجريد ، وحيث لم تكن لها تلك التطبيقات
المذهلة التى شهدتها عصور الحضارة المختلفة بعد ذلك 0 وفى
أدنى السلم ، نجد تلك المواد العملية ، كما نراها فى الحرف
المختلفة من زراعة وصناعة 0 وبين أعلى السلم ، وبداياته ،
تتدرج سلسلة من العلوم والمواد ، التى يقوم تدرجها على مدى
تخلصها تدريجيا من أدران المادة والتغير ، فكلما علا سهمها
فى ذلك اقتربت من القمة ، وكلما التبست بهذا وذاك من أشكال
المادة وما يلحقها من تغيركلما هبطت إلى قاع التعليم ، وهو
عكس ما أصبح الحال عليه فى أيامنا الراهنة ، حيث أصبح
التساؤل الأساسى الذى ينطق به كل إنسان مقبل على تعلم ما :
إلى أى حد يعيننى على العمل والتغير ؟ !
ولم يكن هذا إلا بناء على اعتقاد يدور
حول حقيقة الوجود ، فالوجود الحقيقى كان يتمثل فيما له صفة
الدوام والثبات ، فهذه المادة وتلك ، هى دائما وأبدا فى
حالة تبدل وتغير ، ومن ثم لا يمكن أن تمثل وجودا حقيقيا ،
لكن " الفكرة " والنظرية " هى أقرب إلى الثبات والاستمرار
، ومن ثم فهى التى تمثل الوجود الحقيقى 0 وليست الأفكار
والنظريات على مستوى واحد فهى أيضا تتدرج إلى أن تصل إلى "
مثال " يكون على أقصى ما يمكن تصوره من تجريد 0
وكانت النتيجة الطبيعية لهذه النظرة ،
أن يكون " العقل " هو مناط المعرفة ووسيلتها وليست الحواس
بأى حال من الأحوال ، ويكون التفكير والتأمل والجدال
أبرزعمليات التعلم والتعليم الجوهرية 0 وتكون الفلسفة
والرياضيات " النظرية " هى قمة العلوم التى يجب أن يتم
تعليمها وتعلمها 0
وفى كثير من البلدان العربية ، وحتى
عقود قريبة ، كان ما يسمى بالتعليم " الأكاديمى " هو قبلة
الكثيرين ، وكان التعليم " الفنى " و " المهنى " مزورا عنه
0
وفى داخل التعليم " الأكاديمى " كان
تخصص " الأدبى " هو الطريق المفضل لدى عدد غير قليل من
الطلاب ، بينما كان تخصص " العلمى " غير مقبل عليه ، وما
ترتب على هذا وذاك من مكانات اجتماعية 0
وفى كثير من المجتمعات العربية ، وحتى
وقت قريب استمر العمل " المكتبى " الذى يقوم به من يسمون "
بأصحاب الياقات البيضاء " هو المقصد الغالب للجمهرة الكبرى
من متخرجى المعاهد التعليمية 0
بل إن هذه القسمة " الضيزى " بين ما
نمسيه " بالأدبى " و " العلمى " هى إحدى نتائج هذا الفصل
التعسفى بين " العمل " و " النظر " ، بينما لم يعد الوضع
المعاصر لكل من " العمل " و "النظر " يقبل هذا الفصل ، حيث
أصبح العمل عملا يقوم على العلم والفكر والمعرفة المتقدمة
، وأصبح النظر مرتبطا بالتطبيق والالتحام بحركة الواقع 0
3- وعلى الجانب الآخر ، شهد التطور الحضارى
عدة حركات فكرية توجهت إلى الطبيعة ، وإلى الإنسان نفسه ،
وإلى التطبيق ، وإلى ما هو محسوس وملموس 0
ولا يسمح المقام بالتوقف عند هذه
الحركات ، ويكفى الإشارة إلى إسهامات فيلسوف مثل "فرنسيس
بيكون " ( 1561-1526 ) صاحب المقولة الكبرى التى لم يتنه
تاريخ صلاحيتها حتى اليوم ، ألا وهى أن " المعرفة قوة " ،
بل لا نبالغ فى القول إنها أصبحت أساسا لما هو متداول بين
كثيرين ، مما سوف نتناوله بتفصيل أكثر فى جزء تال ، ألا
وهى أن السلطة الحقيقية فى عصرنا الراهن هى سلطة المعرفة 0
لكن هذه المعرفة التى تشكل قوة للإنسان
ليست تلك التى تجئ نتيجة تأمل عقلى بحت ، ولا عمليات قياس
منطقى وفقا للنهج الأرسطى ، وإنما هى المعرفة المستمدة من
حركة الواقع ، والتى تتأتى إلينا عن طريق الحواس ، وكان
بيكون فى هذا مؤسسا معروفا لما عرف باسم المنهج التجريبى ،
والذى هو الطريق الحقيقى الذى به عرفت المعرفة أشكالا لا
تحصى من التقدم والتطور 0
ولكى تصبح البحوث العلمية التى تتضمن
البحوث التربوية قوية ونافعة ، كان لابد من إيجاد طريقة
جديدة ، وفى ذلك يقول بيكون : " للبحث عن الحقيقة طريقتان
: الأولى ، الانتقال من الإحساس ودراسة الجزئيات إلى
القواعد والمبادىء العامة ، ومن هذه المبادئ العامة ، وبما
تضمنتها من حقائق يقينية ننتقل إلى مبادئ أقل منها عموما ،
وهذه هى الطريقة المتبعة الآن 0
والأخرى ، هى صوغ المبادئ العامة
النهائية بطريق الإحساس ، وفحص الجزئيات ، والاستمرار فى
الصعود التدريجى مما هو عام إلى ما هو أعم حتى نصل إلى
المبادئ 0 والأصول العامة البالغة أقصى درجات العموم ،
وهذه هى الطريقة المثلى ، ولكنها لم تطبق (مونرو ، ج2 ، ص
148) 0
وعلى الطريق نفسه ، سار " جون لوك " ،
وجون ستيوارت مل ، وهربرت سبنسر ، وآخرون ، كل منهم أدلى
بدلوه فى التأسيس للنهج التجريبى ، والمعرفة التجريبية ،
ووضع الحواس فى موقعها الملائم من حيث هى منافذ المعرفة ،
وهى واسطة الاتصال بين الإنسان وهذا الكون الذى يعيش فيه
ويحيا به ، مما كان لابد أن يكون له أثره العميق فى تقدم
العلوم الكونية ، من فيزياء ، وأحياء ، وكيمياء ، وعلوم
أخرى فى مجالات التطبيق الزراعية والصناعية والتجارية ، بل
وفى الإنسان نفسه ، عندما عرف العلماء طريق التجريب عليه 0
وكان جون لوك ( 1632-1754 ) هو أول من
سعى إلى ترجمة اتجاهه التجريبى إلى أفكار وآراء تربوية ،
وقد أراد لوك ، كما أراد روسو أن يعلم تلميذه مهنة من
المهن ، غير أن لوك إذ يوصى بأن يتعلم التلميذ مهنة
النجارة أو الزراعة ، كان يهدف من وراء ذلك إلى غاية غير
الغاية التى يهدف إليهها روسو ، فهو يريد بذلك أن يهيىء عن
طريق هذا العمل الجسدى سلوى للفكر وفرصة للراحة والاسترخاء
، وأن يقدم للجسد تمرينا مفيدا 0 أما روسو فيريد من وراء
ذلك تعلم المهنة بالذات ، إذ يكون بها تلميذه ( إميل ) فى
مأمن من العوز إذا ما ساءت أحواله فى يوم من الأيام 0
بالإضافة إلى أن روسو يخضع فى هذا لبعض الغايات الاجتماعية
إذ يرى أن العمل واجب لا يستطيع أى إنسان الفرار منه ،
والمواطن العاطل عن العمل ، غنيا كان أو فقيرا ، هو مراوغ
( عبد الله عبد الدايم ، 368 ) 0
وإذا كان طريق الفلسفة المثالية ينتج ما
يمكن تسميته " بالثقافة اللفظية " ، فإن طريق الفلسفة
التجريبية ينتج ما يمكن تسميته " بالثقافة الشيئية " ، ذلك
أن التلميذ هنا لا يتعامل مع كلمات فحسب وإنما مع أشياء هى
مفردات بيئة يعيشها ويتعامل معها ، وحتى إذا تعامل مع
كلمات فإنما هى كلمات تشير إلى مسميات واقعية 0
ولعل أبرز ما أكد على التعليم الشيئى –
إذا صح هذا التعبير ، هو المفكر الشهير جان جاك روسو (
1712- 1778 ) ، فالطبيعة عنده هى المصدر وهى مسرح التعلم
والتعليم ، وفقا لمقولته الشهيرة كل شئ حسن ما لم تمسسه يد
الإنسان 0 صحيح أن مثل هذه المقولة عندما تخضع للتحليل
التربوى تظهر تطرفا قد ينتج الكثير من السلبيات لكن يظل
أثر روسو بارزا فى لفت الانتباه إلى الطبيعة والتعامل معها
، وإذا شئنا استخدام المصطلحات المعاصرة للتعبير عن بعض ما
كان يعنيه روسو ، قلنا إنها الخبرة المباشرة ، إذا حصرناها
فى البيئة الطبيعية 0
واهتم روسو بنشاط الطفل ونصح بمده
بالوسائل التى يظهر فيها هذا النشاط 0 كما نادى باستغلال
حواس الطفل وتربيتها منذ الطفولة 0 بل إنه نادى بعدم تعليم
الطفل القراءة فى الصغر معتقدا أن حركة الطفل ولعبه أكثر
فائدة له فى الناحيتين الجسمية والعقلية 0
كذلك آمن روسو بتشجيع الدراسات العملية
والطبيعية والرياضية ، وندد بتعليم الآداب واللغات ، كا
رأى ألا يعتمد الطفل على الكتب وحدها فى التعلم ( سعد مرسى
، ص 420 ) 0
إن الاتجاه " الطبيعى " الذى بشر به
روسو دفع كثيرين إلى النظر بعين الاعتبار إلى هذه الأنهار
والمحيطات ، إلى الشمس والقمر ، إلى الزروع والنباتات ،
إلى البساتين والأشجار ، إلى إلى كل ما يشكل حركة " الحياة
، نباتية أو حيوانية ، بعيدة عن مظاهر غش وخداع اخترعها
الإنسان ، ومظاهر مكر ونفاق أبدعها الإنسان ، ومظاهر قتل
وتدمير ، جنح إليها الإنسان 00الطبيعة تحمل جمالا وهدوءا
وراحة ، تحمل اتزانا وتوازنا واتساقا 0
وعلى أسس تربوية واضحة رفع " فروبل " (
1782-1852 ) التدريب اليدوى والصناعى وجميع الأعمال
الإنشائية إلى المنزلة التى تبوأت منزلة عالية فى العصر
الحديث ، وتزداد رفعة وعلو مكانة على مر الحقب التاريخية
المعاصرة 0 أما " بستالوتزى " ( 1746-1827 ) فقد أدخل
دراسة الأشياء والنشاط اليدوى من ناحيتها الاستقبالية أى
ناحية تلقين المعلومات ، أو على أحسن تقدير من ناحية
الإدراكات الحسية 0 أما فروبل فقد جعل لها هدفا ابتكاريا ،
فعن طريقها يتمكن الطفل من أن ينمى المقدرة العملية ، ذلك
لأن كل نشاط عملى بالنسبة للطفل ليس إلا تعبيرا عن فكرة ما
أو تحقيقا لهدف ألم به عن طريق التعليم ، وإن فائدة أى
موضوع أو أى مادة أو أى جزء من أجزاء المعرفة يدخل المدرسة
يتجلى فى الكشف عن مدى استفادة الطفل بها عمليا ، وبذلك
نجد أن فائدة التعليم تتركز كلها فى التطبيق ( مونرو ، ج2
، ص 358 ) 0
الثورة الكوبرنيكية فى المعرفة وتداعياتها
التربوية :
وعلى الرغم من تأخر الفيلسوف الأمريكى
جون ديوى عن كثيرين من الفلاسفة الذين أسسوا فلسفيا
للمناهج وطرق التدريس ، لكننا نستطيع أن نعده " زعيما "
لهذا التأسيس الفلسفى ، ذلك لأننا لا نرى أحدا ، فى
السابقين أو فى اللاحقين فاقه فى فى هذا المجال وخاصة فى
عالمنا العربى ، فقد ظل فكره مسيطرا سيطرة تكاد أن تكون
كاملة عدة عقود ، وخاصة فى الفترة التى تلت الحرب العالمية
الثانية ، وبصفة أخص من خلال معهد التربية العالى للمعلمين
فى القاهرة ، على يد المربى العربى الكبير إسماعيل القبانى
0
بل إن ديوى هو صاحب المقولة الشهيرة
التى صارت شعارا تربويا معروفا ، فى كتابه ( الديموقراطية
والتربية ) عندما كتب يقول أن الفلسفة هى النظرية العامة
للتربية ، وأن التربية هى " المعمل ) الذى تمتحن فيه صحة
الأفكار الفلسفية ، وبالتالى فإن أية تربية لا تستهدى بنظر
فلسفى هى حركات عشوائية تشبه أن تكون نقشا على ماء ، وأن
الأفكار الفلسفية إذا لم تتح لها فرصة الامتحان والتمحيص
من خلال تطبيقات تربوية ، تصبح سبحات خيال جامح إلى عوالم
تجريد منقطعة الصلة بحياة الإنسان ، فردا كان أو جماعة 0
ومن هنا فعندما طلب إليه أن يكون رئيسا لقسم الفلسفة
بجامعة شيكاجو اشترط أن يكون فى الوقت نفسه رئيسا لقسم
التربية ، لا رغبة منه فى " التكويش " ، كما نقول فى لغتنا
العربية العامية ، ولكن حتى يضبط الأفكار الفلسفية
بالتطبيق التربوى ، وحتى يؤسس الأفكار التربوية على هدى
التنظير الفلسفى 0
ولم يقف ديوى وحده داعيا إلى هذا وإنما
استطاع أن يكون مدرسة كبيرة انغمس أصحابها فى العمل
التربوى المؤسس على نظرات الفلسفة البراجماسية على وجه
العموم ، وأفكار ديوى الفلسفية على وجه الخصوص ، وكان من
هؤلاء كيلباتريك ، وبودا ، ورج ، وواشبورن000 وغيرهم 0
وكان ما شاع عن مدرسة ديوى حول ماسمى
بمنهج النشاط ، وما سمى كذلك بطريقة المشروعات ، مبنيا
بصفة أساسية على نظريته فى المعرفة ، وحتى يظهر القيمة
العالية لنظريته المعرفية فقد شبهها بالثورة الكوبرنيكية ،
عندما نزع كوبرنيكوس ما زعم من قبل بحركة الأجرام السماوية
من من صفة ذاتية طبيعية فيها 0
فلقد كان مركز الفلسفة فى تراثها القديم
هو " الذهن " الذى يعرف بمقتضى ما له من قدرات موجودة
بداخله ، أما فى الفلسفة التى نادى بها ديوى فالمركز هو "
التفاعل " المستمر فى مجرى الطبيعة بين ذهن الإنسان
والأشياء الطبيعية ، هذا التفاعل يجرى طبقا لعمليات مقصودة
توجهنا نحو نتائج جديدة ، وفى ضوء هذا ليس العالم هو
المركز ، ولا الذات ، وليست الطبيعة الخارجية ، ولا النفس
الإنسانية هى المركز وإنما هو عالم واحد متصل يشتمل على
الطبيعة وعلى الإنسان نفسه وعقله وذكائه ، باعتبار أن هذه
الأمور كلها أجزاء من الطبيعة نفسها ، والكل فى حركة متصلة
وجريان دائم ، وإن شئنا أن نعين مركزا فى هذا العالم
المتصل المرتابط فهو ( الخبرة )
ولا يذكر اسم ديوى إلا ويذكر معه فى
القوت ذاته ( الخبرة ) حتى أننا إذا كنا نقرن أفلاطون
بنظرية المثل ، فإن ديوى يقرن بنظرية الخبرة ، حتى لقد
عنون عددا من كتبه بالخبرة ، كما نرى فى ( الفن خبرة ) ، و
( الخبرة والطبيعة ) و ( الخبرة والتربية ) ، كما فصلنا
ذلك فى كتابنا الصادر فى سلسلة ( عالم المعرفة ) الكوريتية
بعنوان ( فلسفات تربوية معاصرة ، الفصل الثانى ،1995 )
والذى اعتمدنا عليه فى هذا الجزء 0
ومن هنا فقد أصبح الفكر التربوى الحديث
ينظر إلى الخبرة على أنها عملية تفاعل بين الكائن الحى
والبيئة ، وبمعنى آخر يجعلها عملية عمل ومعاناة ما دام
الكائن الحى ، وخاصة الإنسان الذى يمثل الطرف الأعلى فى
سلسلة الكائنات الحية يؤثر فى بيئته ويغير منها ، ثم تعود
هذه التغييرات التى حدثت فى البيئة نفسها بسبب هذا الكائن
تعود فتؤثر بدورها هى الأخرى فيه وفى ضروب تشاطه 0 ولا شك
أن عملية التكيف تتطلب من الكائن الحى بصرا وذكاء حتى
ينتقى أنسب الاستجابات الملائمة لتكيفه ، كما أن معاناته
لعواقب سلوكه تجعله يفكر دائما فى عواقب الخبرات السابقة
عندما يقبل على خبرة جديدة ، ويحاول أن يربط بين الوسائل
بالغايات ، وينظم الخبرة تنظيما يكفل لها تحقيق أحسن تكيف
ممكن 0 إن كل ذلك يفرض أن يلعب التفكير دورا مهما فى عملية
الخبرة بحيث نستطيع أن نقول إن الخبرة دون تدخل التفكير
تعود إلى ما كانت عليه حيث كانت مجرد تكديس للمعلومات
والإحساسات 0 والتفكير هنا لا يأتى من مصدر خارج وإنما
ينبع هو الآخر من مجرى الخبرة ذاته 0 إنها هى التى تقترحه
وهى التى تختبره وتجربه ، والعقل بهذا المعنى ليس ملكة
منفصلة عن الخبرة ، وإنما هو هذا التوجيه الذكى الناتج عن
الخبرة الموجه لها فى الوقت فى آن واحد 0
ولقد كان لهذا النظر الفلسفى آثار بعيدة
المدى على حقل التربية التطبيقية ، إذ ما دامت العلاقات
الفعالة التى تقوم بين الإنسان وبيئته الطبيعية
والاجتماعية هى التى تكون قوام الخبرة ، كان على المدرسة
أن تهيئ بيئة تتسم بالحيوية والواقعية يمكن أن يحدث فيها
مثل هذا التفاعل ، وحتى يمكن للتلميذ أن يكتسب نتيجة هذا
التفاعل المعانى المهمة اللازمة لزيادة كل من " خبرته
وتعلمه " 0 إن رفض مدارسنا أن تكون أماكن للحياة إنما هو
بمنزلة انتحار أخلاقى للمجتمع الذى نعيش فيه 0 إننا نساعد
بهذا على قيام العملية التربوية على أسس علمية صحيحة ، إذ
يخبرنا علماء النفس بأن التعلم يستند إلى مبدأين مهمين :
أولا : أن ما نتعمله يجب أن نمارسه 0
ثانيا : أننا لا نتعلم كل شئ نمارسه ،
فنحن نتعلم فقط الشئ الذى ننجح فى أدائه 0
وما دمنا نريد أن نقيم العملية
التعليمية على أساس خبرى ، فلابد من التخلص من هذه النظرة
المتعسفة التى تضع هوة بين خبرة التلميذ من ناحية ومختلف
المواد الدراسية من ناحية أخرى على أساس أنهما مختلفان
نوعا 0 وكيفية ذلك بالعمل على أن تتمثل خبرة التلميذ فى
داخلها العناصر والأحداث والحقائق التى تدخل فى تشكيل مواد
الدراسة ، وكذلك الاتجاهات والنزعات والميول التى تكون
وتنظم مادة الدراسة 0 هذا من ناحية الخبرة ، أما من ناحية
المادة الدراسية ، فيجب تفسيرها على أنها قوى لازمة لتنمية
حياة التلميذ ، واكتشاف الخطوات التى تلائم بين خبرته
الحاضرة وما تتضمنه هذه الدراسات من نضج أكثر غنى 0 إن
الأحداث والحقائق التى تدخل فى خبرة التلميذ الحاضرة وتلك
المتضمنة فى مواد الدراسة ، إنما هى العلاقات والحدود
النهائية لحقيقة واحدة ، فمعارضة إحداها بالأخرى هى
المعارضة بين الطفولة والبلوغ فى الحياة النامية نفسها 0
إنه وضع الاتجاه المتحرك والنتيجة النهائية للعملية نفسها
الواحد منهماوضد الآخر ، واعتبار طبيعة التلميذ واتجاهاته
فى حرب مع بعضها البعض 0
وكان من الطبعى كذلك أن يعنى
البراجماتيون بمحاولة رسم معالم للعملية التعليمية بحيث
تسير فى خطواتها وفقا لخطوات السير فى الطريقة العلمية ،
وقد لا يتسع المقام لتفصيل ذلك ، ويكفى أن نشير غلى الخطوة
الأساسية فى كل من طريقة التعليم البراجماتية وطريقة
التفكير العلمى ، ألا وهى أن يجد الطالب نفسه فى وضع خبرة
حقيقى تنبعث منه مشكلة تكون بمنزلة حافز إلى التفكير ، ولن
يتم هذا الشرط إذا اتسم العمل الذى يوحى به الوضع بالرتابة
أو الاندفاع بالهوى الوقتى ، فلابد أن تؤدى الخبرة المتاحة
إلى ميدان جديد لم يألفه الطالب من قبل حتى تنشأ المشاكل
التى تشكل الدافع إلى التفكير 0
ولا يترك ديوى الأمر على عواهنه بل يضع
معايير تميز بها بين المشاكل الصحيحة والمشاكل المزيفة حتى
لا نقع فيما وقع فيه كثيرون من " افتعال " المشاكل حتى يتم
التفكير ، ومن هنا فلنسأل :
1-
هل صدرت المشكلة صدورا طبيعيا من وضع يقوم
على الخبرة الشخصية ، أم هى غير ذلك ، مشكلة يراد بها
تعليم موضوع دراسى فقط لا غير ؟ وهل هى من نوع تلك
المحاولات التى تدفع بالتلميذ إلى القيام بملاحظات وتجارب
خارج المدرسة ؟
2-
هل هذه المشكلة تخص الطالب نفسه ، أم هى
مشكلة معلم أو كتاب تحولت إلى مشكلة للطالب لأنه لا يستطيع
أن ينال الدرجات المطلوبة أو ينتقل إلى من فرقة إلى فرقة
أو يكسب رضا المعلم ما لم يقم بحلها ؟
وهناك ما يمكن تسميته " بنمط التحرى
الجماعى "
Group Investigation
ينسب إلى هربرت ثيلين
Herbert Thelen
، وهو نمط لتطوير مهارات المشاركة فى العملية الاجتماعية
الديموقراطية ، مع التركيز على المهارات البينشخصية ، ويعد
هذا النمط من الأنماط التعليمية الموجهة نحو التفاعل
الاجتماعى ( إسحاق أحمد فرحان وآخرون ، 1984 ، ص 153 ) 0
ومثل هذا النمط أحيانا ما ينسب إلى جون
ديوى ، والسر فى ذلك أنه مبنى على الأساس نفسه الذى شرحه
بتفصيل جون ديوى فى كتابه المعروف ( الديموقراطية والتربية
) ، على أساس أهمية تنظيم المجتمع المدرسى ، على الأسس
نفسها التى ينبنى عليها المجتمع الكبير من حيث طريقة
الحياة الديموقراطية ، والطريقة العلمية فى التفكير ، فمثل
هذا التنظيم المدرسى من شأنه أن يكسب التلاميذ المهارات
والقدرات والمعانى اللازمة لحسن ممارسة الطريقة
الديموقراطية فى المجتمع ، والتفكير بطريقة علمية صحيحة 0
والميزة الأساسية التى تميز نمط التحرى
الجماعى هو سعيها بناء استراتيجية تعليمية تضم معا عمليتى
الممارسة الديموقراطية ، والتفكير العلمى ، ولذلك بنت هذه
الاستراتيجية على الأسس التالية ( المرجع السابق ، ص 154 )
:
1-
الإنسان كائن اجتماعى يبنى مع غيره من
أفراد الجماعة البشرية جملة القواعد والتقاليد والعادات
والأعراف الاجتماعية التى من شأنها أن تقيم مجتمعا يشكل
سياقا صحيا للمعيشة المشتركة0وبغير التعاون والتشارك
الاجتماعى يستحيل على الإنسان يستمر فى حياة إنسانية ناجحة
، وهى الفكرة نفسها التى نجدها كذلك لدى المفكر الإسلامى
الشهير ابن خلدون فى مقدمته المعروفة 0
2-
وغرفة الصف لابد أن تعكس المجتمع الكبير ،
بحيث يمكن اعتبارها " معملا تجريبيا " يتمرن فيه الطلاب
على ما سوف يمارسونه فيما بعد كبارا فى مجتمع كبير ، ولذا
لابد لغرفة الصف أن تكون لها قواعد وثقافة ومعايير وتوقعات
شبيهة ، وبالتالى فإن العملية المعرفية ينبغى أن تقترن
دائما بالعملية الاجتماعية 0
3-
وكان طبيعيا أن يرفض ثيلين النظام الصفى
التقليدى من حيث تمركزه على توفير الراحة والهدوء مما يمكن
أن يكون مريحا للمعلم ، إذ أكد ثيلين على أن تأخذ مجموعة
الطلاب فى الصف عملية تطوير النظام الاجتماعى بجدية ، بحيث
تصبح مهمة المعلم أن يشارك فى الأنشطة التى تؤدى إلى توجيه
الأنشطة للإستقصاء 0
" وكل عملية تحر واستقصاء تبدأ بموقف
مثير يستجيب له الطلاب ، ويكتشفون من خلاله التناقضات بين
اتجاهاتهم وأفكارهم وأنماط إدراكهم ، وعلى أساس هذه
المعلومات ، يحددون المشكلة التى يتحرونها أو يتقصونها ،
ويحللون الأدوار اللازمة لحلها ، وينظمون أنفسهم ليأخذوا
هذه الأدوار ، ثم يقومون بها ، ويكتبون تقاريرهم حولها ،
ويقيمون النتائج التى يتوصلون إليها ، وهذه الخطوات يمكن
إثراؤها بالقراءة وبالاستقصاء الشخصى وبالتشاور مع ذوى
الخبرة " ( المرجع السابق ، الصفحة نفسها ) 0
ولقد أتيحت الفرصة لكل من منهج النشاط ،
وطريقة المشروعات ، بدرجة غير مسبوقة ، فى مصر منذ
الأربعينيات وحتى أوائل الستينيات من القرن الماضى ، من
حيث تخصيص مدارس بعينها تتبناهما سميت بالمدارس النموذجية
، وحققت نجاحا ملحوظا حتى أصبحت فى كثير من الأوقات مقصدا
للمستويات العليا من الشرائح الاجتماعية من كثرة ما قيل عن
تميز الخدمة التعليمية فيها ، وأتيحت الفرصة لكاتب الدراسة
أن يقضى فترة " التربية العملية " وقت دراسته بكلية
التربية فى واحدة من أشهر هذه المدارس وهى مدرسة الأورمان
الثانوية النموذجية فى أوائل عام 1960 0
الخبرة التربوية الإسلامية فى بناء
المنهج :
ولم يكن الإسلام مجرد عقيدة تنحصر فى
العلاقة بين الإنسان وخالقه ، وإنما امتدت لتكون "منهاج
حياة " ، وهى بهذا الاعتبار لابد أن تنتظم كل مجال من
مجالات حياة المسلم ، وتأتى الحياة التربوية فى مقدمة هذه
المجالات ، ذلك لأن الإسلام استهدف تغييرا فى شخصية
الإنسان بحيث تبنى وفقا للنموذج المعرفى والمجتمعى المبثوث
فى آيات القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ،
ولما كانت العملية التربوية نفسها لابد أن تستهدى بهدى
نظرية ترسم لها أهدافها وكيفية تحقيقها ومساراتها كان من
الطبيعى أن يسعى المربون المسلمون لدراسة كل من القرآن
الكريم والسنة النبوية ليستمدوا منهما ما يعين على بناء
شخصية المسلم 0
وللدكتور إسحاق أحمد الفرحان وآخرين
دراسة مهمة ( المنهاج التربوى بين الأصالة والمعاصرة ، ص
86 ) تناولت " مفهوم المنهاج فى ضوء مبادئ ة الإسلامية "
عرضت لعدد كبير من هذه المبادئ وانعكاساتها على عناصر
المنهاج يضيق المقام عن بيانها ، ولكن يكفينا ما جاء متصلا
بالمبدأ الخاص بالصفة الربانية أو الإيمانية لهذه التربية
وانعكاسه على المنهاج ، من حيث أن هذا المبدأ هو المبدأ
الكلى الحاكم لهذه التربية 0 وتتلخص انعكاسات هذا المبدأ
فى الجوانب التالية ( المرجع السابق ، ص 87 ) :
-
ما دام الهدف الأساسى للمنهاج الإسلامى هو
إيجاد الإنسان المؤمن بربه الذى يعبد الله حق عبادته ،
ويتقيه فى سره وعلنه ، قوله وعمله ، فمن الطبيعى أن يتبدى
هذا الهدف الكلى العام فيما يتفرع منه من مبادئ فرعية 0
-
وإذا كان المنهاج الإسلامى بجميع مجالاته
والعلوم التى يتضمنها لا تتناقض مع الهدف الإيمانى ، بل
ترسم فى إطاره ، وتهدف إلى تعزيزه ، يصبح مهما على كل معلم
مسلم أن يقوم بإعمال فكره فى كيفية إسهام الحقل الذى يختص
فيه فى تعزيز الإيمان بالله وتحقيق تقوى الله فى نفوس
الأفراد 0
-
ومن الضرورى كذلك أن يكون هناك اتساق
وانسجام مع هذا المبدأ فى طريقة التعليم والتعلم وتنظيم
الأنشطة والخبرات ، وذلك من أجل تهيئة الفرص لتعزيز تقوى
الله فى النفوس 0
-
كذلك فإن تقويم المنهاج ونتائجه فى المدى
البعيد ، مفروض أن يتم بدلالة تعزيز الإيمان عملا لا قولا
، وسلوكا لا لفظا ، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى فى الآية
177 من سورة البقرة : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل
المشرق والمغرب ، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر
والملائكة والكتاب والنبيين ، وآتى المال على حبه ذوى
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى
الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا
عاهدوا والصابرين فى البأساة والضراء وحين البأس ، أولئك
الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) 0
ولما كان النموذج المعرفى فى العقيدة
الإسلامية يختلف إلى حدكبير عن غيره من نماذج معرفية ،
سواء فى السابق أو اللاحق ، كان طبيعيا أن ينطلق مفكرو
التربية الإسلامية من منطلقات مختلفة لبناء المنهج 0 وقد
شغلت هذه القضية كثيرين ، مما يتبدى فى هذا الاهتمام
الملحوظ فيما عرف " بتصنيف العلوم " ، ففى حين جاء عند
الكثرة الغالبة جزءا أساسيا فى كتاباتهم ، جاء لدى البعض
مستغرقا لكتاب بأكمهل كما نجد فى ( الفهرست ) لابن النديم
، و(ومفتاح باب السعادة 000) لطاش كبرى زاده ، و( كشف
الظنون 000) لحاجى خليفة ، و (إحصاء العلوم ) للفارابى
00وغيرهم 0
فإذا توقفنا أمام ما رآه عالم تربية مثل
أبو الحسن العامرى ، من علماء القرن الرابع الهجرى ، نجده
، يصنف العلوم إلى نوعين ، أولهما العلوم الحكمية ( علوم
الدنيا ) وثانيهما العلوم الملية ( علوم الدين ) ، ثم نجده
يدافع دفاعا حارا عن علوم الدنيا ، مؤكدا أن دراسة العلوم
الرياضية والطبيعية بوجه خاص تبين أن خلق الكون وتدبيره لا
يقوم على الصدفة أو الفوضى أو العبث ، وإنما يقوم على
النظام والحكمة ، وعلى قوانين لا تختلف ، ومن ثم تعين هذه
العلوم دارسيها على " الخلوص إلى مواقع الحكمة فيما أنشأه
الصانع – جل جلاله – من أصناف الخليقة ، والتحقق لعللها
ومعلولاتها ( أى قوانين السببية الذى يحكم العلاقات بينها
) وما يتصل به من النظام العجيب والرصف الأنيق " 0( غراب ،
م2 ، ص 97 ) 0
كذلك فإن دراسة مثل هذه العلوم لا تحقق
مجرد المعرفة النظرية بالظواهر الكونية والطبيعية ، بل
تحقق كذلك إمكانية السيطرة عليها ، والاستفادة منها ،
لأنها مسخرة للإنسان ، ولذلك يقرر العامرى أن من ضبط هذه
العلوم فقد سعد ب " الأنس باستكمال الفضيلة الإنسانية
باستيلائه على حقائق الموجودات ، والتمكن من التصرف عليها
" 0
أما ابن رشد المولود فى قرطبة عام 520هـ
فقد رأى أن مقصود الشرع تعليم الناس الحق ، والحق يتجلى فى
العلم والممارسة والعمل ، لذلك كان هناك العلم الحق والعمل
الحق 0
أما العلم الحق ، فهو معرفة الله تبارك
وتعالى وسائر الموجودات على ما هى عليه وبخاصة الشريفة
منها ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروى ، والعمل
الحق هو امتثال الأفعال التى تفيد السعادة وتجنب الشقاء ،
والمعرفة بهذه الأفعال هى التى تسمى " العلم العملى " (
الهراس ، م3 ، ص 89 ) 0
والأفعال التى تعكس العمل الحق تنقسم إلى
: أفعال بدنية والعلم بها يسمى الفقه ، وأفعال نفسانية
وأخلاقية دعا إليها الشرع أو نهى عنها والعمل بها يسمى "
الزهد " و " علوم الآخرة " 0
أما ابن تيمية المولود فى مدينة حران
بشمال سوريا عام 661هـ فقد رأى تكاملا بين علوم الدين
وعلوم الدنيا ، وقد قسم العلوم إلى أربعة أقسام هى (
الكيلانى ، م3 ، ص 258 ) :
-
ميدان العلوم الدينية ، وهى تتضمن علوما
إجبارية وعلوما اختيارية ، فالإجبارية ما تعلق بالعقيدة
والعبادات والأخلاق 0 والاختيارية ما تعلق بالتشريع فى
ميادينه المختلفة 0
-
ميدان العلوم العقلية مثل العلوم الرياضية
والطب وعلم الأحياء والفيزياء والعلوم الاجتماعية وثمرتها
الكشف عن آيات الله فى الآفاق والأنفس 0
-
العلوم العسكرية ، وهذه إجبارية لارتباطها
بالجهاد ، وهى تتشكل وتتنوع حسب مهارات العصر وأدواته
ووسائله 0
-
الصناعات والمهن ، وهى إجبارية واختيارية ،
فما كان مفقودا فى المجتمع صار إجباريا وفرض عين ، فإذا
وجد إلى الحد الذى يكفى الناس صار اختياريا 0
وقد انعكست هذه التصورات النظرية على
واقع التعليم فى الحضارة الإسلامية ، فإذا بمؤسسات التعليم
تقدم مناهج تعليم الدين وما يتصل بها فى مقدمة ما تقدم من
مقررات ، خاصة فى الكتاتيب والمساجد والمدارس 0 لكننا يجب
أن نعترف بأن العلوم الأخرى مما يتصل بالشأن الدنيوى ،
فالكثرة الغالبة منها كان تعليمها يتم بصيغ غير نظامية ،
مثلما شهدنا فى دور الكتب ومنازل العلماء والصالونات
الثقافية 0
التوجه الفلسفى المعاصر
شهد الفكر العالمى المعاصر توجهان
فلسفيان ، وكلاهما يعتمد على " التحليل النقدى " ، لكن
أحدهما يغلب عليه طابع التحليل النقدى اللغوى ، والآخر
يغلب عليه طابع التحليل النقدى الاجتماعى ، الأول هو
الفلسفة التحليلية ، والثانى هو الفلسفة النقدية
الاجتماعية 0
بالنسبة للفلسفة التحليلية :
جاء التأسيس لها من خلال إلحاح نفر من
الفلاسفة على ضرورة أن تنهج الفلسفة نهج العلم نفسه بحيث
تكون الفلسفة " علمية " ، ولم تعن المطالبة باقتران
الفلسفة بالعلم أن ينشغل الفلاسفة بنفس ما ينشغل به
العلماء ، ولكن المراد من ذلك : التزام الدقة البالغة فى
استخدام الألفاظ والعبارات التزاما يقرب الفيلسوف من
العالم فى دقة استخدامه للمصطلحات العلمية 0 وعلى هذا ،
فإذا كان العالم يحدد على وجه الدقة ما يريده حين يقول "
جاذبية " و " ضوء " و " صوت " 00إلخ ، فكذلك ينبغى
للفيلسوف أن يكون بهذه الأمانة نفسها وبهذه الدقة نفسها فى
استخدامه لألفاظه الأساسية الهامة ، فلا يقول – مثلا كلمة
" خبرة " أو كلمة " نشاط " أو كلمة " تدريس " 00إلخ إلا
وهو على أتم العلم بحدود معناها ، على نحو لا يدخل فيها
معانى لكلمات أخرى 0
وحتى لا يقع أحد فى وهم يجعله يتصور أن
الفلسفة بهذا المعنى ستزاحم العلم فى مهامه ، يحرص
التحليليون على توضيح فرق جوهرى بين العلم والفلسفة ،
فالعلم ينصب على (الأشياء ) ، أما مهمة الفلسفة فتنصب على
( الكلام ) ، على اللغة ، لتضمن سلامة بنيته المنطقية ،
فالفلسفة لا تبحث فى ( مسائل ) لتصل فيها إلى نتائج تتعلق
بالإنسان والمجتمع والعالم ، ولا ينبغى أن يطلب منها هذا ،
فكل مسألة يراد الوصول فيها إلى نتائج يجب أن تترك للعلم
والعلماء ، وأما الفلسفة فهى تحليل لمفهومات وقضايا تلك
العلوم تحليلا يبرز طريقة تركيبها ، وصورة بنائها ليتضح
معناها ويظهر ما استبطن فى جوفها من فروض متضمنة 0
ولقد كان لهذا التوجه الفلسفى أثره فى
تعليم الفلسفة فى التعليم العام ، حيث كان من المهم
التفرقة بين الفلسفة كنسق معرفى ، والفلسفة كمنهج فى
التفكير ، فالفلسفة كنسق معرفى تعنى بالآراء والأفكار
والنظريات والمشكلات التى تناولها عدد ضخم منم الفلاسفة
على مر العصور ، وأمر مثل هذا قد لا يكون ذا قيمة عالية
بالنسبة لطلاب التعليم العام ، وإنما هو وظيفة الأقسام أو
الشعب المتخصصة فى ذلك فى كليات الجامعة ، ويصبح الأكثر
أهمية تعليم الطلاب فى هذه المرحلة العامة كيف يفكرون
تفكيرا فلسفيا ، مما يمكن أن يمرنهم على التساؤل الخاص
بالمعنى الدقيق لما يتم استخدامه من مفاهيم وتصورات ، وأن
يتمرنوا على طرح تساؤل مؤداه : لماذا ؟ أمام كل منشط أو
مسلك ، بحثا عن تفسيره وفهم معناه ، وأن يتدربوا على ألا
يقفوا أمام الأسباب الظاهرة القريبة لمشكلة ما وإنما يسعون
إلى الوعى بما يسمى الأسباب البعيدة ، وهكذا 0وقد قام " د0
محمد زيدان " بإنجاز أطروحته للدكتوراه حول هذه القضية
بانيا إياها على الفكرة نفسها عندما كتبنا فيها مقالا
بجريدة الأهرام بالقاهرة 0
ولعل هذا المنحى فى تعليم الفلسفة قد
دفع ببعض المربين والمؤسسات أن تجرب تعليم الفلسفة فى
مراحل التعليم الأولى عكس ما هو شائع من تأخيرها إلى أواخر
مراحل التعليم العام ، على ظن بأن درجة تعقيدها وتجريدها
لا يتيح فهمها إلى لمن بلغوا مرحلة عالية ولو بعض الشئ فى
الفهم والوعى والإدراك 0 فلما تركز الأمر فى " التفلسف "
لا فى " الفلسفة " ، أى تم التركيز على الفلسفة كمنهج فى
التفكير " التفلسف " ، وجد أن الأمر مفروض أن يتم التدريب
عليه فى مراحل التعليم المبكرة ، لما له من آثار بعيدة
المدى فى التكوين العقلى والثقافى ، وهذا بدوره يكون له
أثره فى تشكيل وتوجيه العلاقات الاجتماعية ، ولقد شهد
التعليم فى الولايات المتحدة الأمريكية تجارب لمشروعات
تعليمية لتعليم التفلسف للأطفال وكتب لها نجاح ملحوظ ،
كتبت عنها بتفصيل الدكتورة سعاد فتحى أستاذة المناهج وطرق
تدريس المواد الفلسفية بكلية البنات جامعة عين شمس 0
ومن أجل إقامة التربية على أسس علمية
منهجية ، كان السعى إلى تحديد المفاهيم سبيلا من هذه السبل
، على أساس ما تمثله المفاهيم من وظيفة تماثل إلى حد كبير
ما تقوم به العملة النقدية فى التعامل بين أفراد الناس ،
مما يمكننا معه القول بأن المفاهيم هى العملة الفكرية لحسن
الفهم والمناقشة والتعلم 0
والمفهوم عبارة عن زمرة من الأشياء أو
الرموز أو الحوادث جمعت بعضها إلى بعض على أساس خصائص
مشتركة ، يمكن أن يشار إليها باسم أو برمز معين ، ومعظم
الكلمات فى أية لغة من اللغات تشير إلى أصناف أو فئات من
الرموز أو الأشياء أو الحوادث أكثر من إشارتها إلى شواهد
من هذه الفئات ، وعادة يكون من الضرورى استخدام كلمات
محددة لجعل كلمة واحدة من هذه الأصناف العامة تشير إلى
شاهد بعينه ( محمد الطيطى ، ص 20 ) 0
وإذا كان من السهل إلى حد كبير التحديد
الدقيق لما هو مستخدم فى مجال كل من العلوم الرياضية
والطبيعية ، إلا أن الأمر ليس كذلك فى العلوم الإنسانية ،
فالطلاب على سبيل المثال فى كثير من الدول العربية
والإسلامية يدرسون ( الجهاد ) على أنه فريضة دينية خاصة
عندما يقوم أجنبى بالاعتداء على أرض إسلامية سواء لإملاء
إرادته دون احتلال أو من أجل الاحتلال ، ومع ذلك تجئ هذه
القوى العدو لتسعى إلى التدخل فى مثل هذه المفهوم ، وتصوير
المفهوم القائم وكأنه يبذر بذور ما يسمونه بالإرهاب ، حتى
لا يتعلم أبناء المسلمين ما يعينهم على صواب التمييز
للاعتداء والعدو 0
وفى التاريخ بصفة خاصة العديد من
المفاهيم التى تتباين معانيها إلى درجة التناقض بين ثقافة
وأخرى ، مثلما صوروا حركة الاستعمار التقليدى بأنها كانت
من أجل التمدن والتحضر ، حتى أن التحليل اللغوى للكلمة
نفسها يرتد إلى " التعمير " ، بينما حقيقة واقعها أن القصد
منها استغلال وتخريب البلدان التى تعرضت لهذا الوباء 0
وقد تبدت قيمة التحليل الفلسفى والمنطقى
فى دراسات د0نادية بكار أستاذة المناهج وطرق تدريس العلوم
الاجتماعية ، فمن ذلك دراستها عن الأبعاد المنطقية
والتربوية لنظرية التعريف ، فعلى الرغم من أهمية التعريف
على المعرف أو المفهوم ، إلا أن المربين ركزوا على
المفاهيم واعتبروها هدفا تربويا فى جميع مستويات التعليم ،
الأمر الذى جعل خبراء المناهج ومخططيها يتجهون نحو التركيز
على الكم الهائل من المفاهيم دون الانتباه إلى تعريفاتها ،
وهو ما أدى إلى سوء الفهم والتعليم ، مما يفسر لنا ما نجده
فى توصيات الدراسات المعاصرة فى التربية والتى توصى خبراء
المناهج ومؤلفى الكتب والمعلمين بالاهتمام بتوضيح معانى
المفاهيم وتفسيرهها حتى لا يواجه التلاميذ مشكلة سوء الفهم
والتعلم 0
ونبهت الباحثة إلى أن الدراسات التربوية
قد أكدت على أن التركيز فى التعلم على الكلمات أو العبارات
دون شرحها ( تعريفها ) قد ساهم فى خفض كفاية التعلم
والتعليم ، بالإضافة إلى عدم التمييز بين الخصائص التى
تميز بين بعض المفاهيم أو التى تجمع بين بعض المفاهيم ،
الذى يساهم كذلك فى ظهور المغالطات والاختلافات والتداخلات
بين المفاهيم بعضها وبعض ، وعليه ، فقد رأت الباحثة أنه
لكى نعرف كيفية تعريف المفاهيم بالصورة الصحيحة حتى يدرس
المعلم ويكتب الكاتب التعريف بطريقة سليمة وحتى نساعد على
تلاشى المغالطات والتداخلات بين المفاهيم ، فلابد من وضع
قواعد لذلك 0
وقد سعت الباحثة إلى التوصل إلى هذه
القواعد من خلال أبعاد الدراسات التى أعدت لدراسة نظرية
التعريف ، علما بأن أحد هذه الأبعاد قد بدأ منذ فجر
التاريخ ، وهو بعد نظرى فى حد ذاته قام به المناطقة ،
والبعد الآخر تطبيقى قام على ممارسات التربويين 0
وقد استخلصت الباحثة من عرضها للأبعاد
المنطقية والتربوية عدة قواعد أساسية لازمة للتعريف 0
وفى دراسة ثانية للباحثة نفسها ، شككت
فى المقولة الشائعة والتى تذهب إلى أن المهارات التى
يحتاجها أى حقل دراسى لتحقيق تفوق ، لابد وأن تتولد من
الحقل ذاته ، وذلك لأنه ، قبل إتقان المعلم لمهارات حقل
التخصص ، لابد وأن يكون قد أتقن مهارات حقول دراسية أخرى
لأنها أساسية لإتقان مهارات حقل التخصص ، وعلى سبيل المثال
، لابد من إتقان طلبة تخصص علم الاجتماع للمهارات اللغوية
والمنطقية والرياضية قبل أن يتخصصوا فى الاجتماع ،
باعتبارها مهارات أساسية لإتقان التعلم 0
وهكذا قامت الباحثة بهذه الدراسة
لتتناول بعدا من الأبعاد الأساسية التى تقوم عليها عملية
التدريس ، ألا وهو البعد المنطقى الذى تفتقر إليه الدراسات
، وكذلك لم ينتبه المربون إلى أهميته فى التدريس ، ومن شأن
هذه الدراسة أن تسهم فى تقويم نوعية مهارات تدريس الطالبات
المعلمات تخصص اجتماع ، والتخصصات الأخرى القائمة على
استخدام القواعد المنطقية فى التدريس ، وما ينتج عنه
استخدامهن لهذه القواعد من بناء وتطوير مهارات التفكير
العليا عند الطالبات ، الأمر الذى قد يؤدى إلى إعادة النظر
فى تطوير برامج إعداد المعلم 0
وفى دراسة ثالثة للباحثة تنقل عن نيومان
Newman
أن الذى يميز التفكير بمهاراته الراقية عن أشكال التفكير
الأخرى هو صفة التحدى ، واستخدام العقل بطريقة أوسع وأعمق
من مهارات التفكير الدنيا التى تتميز بالعمل الروتينى
والتطبيق الآلى ومحدودية استخدام العقل 0 ومن هنا تركز
الدراسة على الدور الذى يجب أن يناط بالمعلم فى هذا الشأن
ألا وهو "ترقية التفكير " 0
وفى هذه الحالة يكون المعلم النموذج هنا
هو الشخص الذى يتولى مسئولية تربية النشء أو القادر على
تصميم مجموعة من الأنشطة ليحقق بها أهداف ترقية التفكير
لدى المتعلم ، ويكون محور هذه الأنشطة التحدى لعقول
المتعلمين مع مراعاة مستواهم التحصيلى 0 وتهدف هذه الأنشطة
إلى أن يمر المتعلمون بأنشطة عقلية متعمقة وبخبرات جديدة
غير مألوفة ، ومن أجل المرور بهذه الخبرات لابد من استخدام
مهارات عقلية تعلو فوق مستوى التذكر والعمل الآلى الروتينى
( كالمقارنة ، والتحليل ، والتقييم 00إلخ ) ، واستخدام
أساسيات معرفية ( القوانين ، والمبادئ ، حقائق موثقة )
والعمل على أن يظهر التلاميذ أثناء مرورهم بهذه الخبرات
ميلا واتجاها يجعلهم يبدون مطبوعين على التفكير ( كتأمل
الحلول قبل عرضها ، تأييد الاستجابات بدلائل ، يبدى إعجابا
بأفكار أقرانه غير المألوفة ، وما شابه ذلك ) 0
بالنسبة لاتجاه
النقد والتحليل الاجتماعى :
الحق أن النقد الاجتماعى المنبثق عن
أوضاع العالم الثالث ، يشكل أحد الاتجاهات الفعالة خلال
عقدى الستينيات والسبعينيات ، إضافة إلى قدرة هذا الاتجاه
على تطوير تنظيم قادر على التشخيص الدقيق والموضوعى لظواهر
العالم الثالث ، وأيضا فإن طبيعة العلاقات التى تربطها
بالقوى العالمية المتقدمة 0 فمما لا شك فيه أن استقلال
مجتمعات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لم يكن كاملا ،
بل فرضت التبعية والهيمنة على هذه المجتمعات من قبل القوى
العالمية المتقدمة ، الأمر الذى دفع إلى نشأة الحركات التى
مارست النقد فى اتجاهين : الأول ، نقد القوى العالمية التى
تفرض الاستعمار أو التبعية أو الهيمنة ، بهدف الحفاظ على
الاستقلال والهوية الوطنية أو القومية لمجتمعات العالم
النامى ، والثانى ، نقد القوى المحلية المتحالفة مع القوى
العالمية ضد مجتمعاتها أو التى تعمل بقيمها وسلوكياتها على
تشويه الذات الوطنية 0
إن أهمية هذا الاتجاه تكشف عن عبث تلك
المحاولات التى يقوم بها البعض تصورا أنها تؤدى إلى تطوير
التعليم عن طريق تطوير المناهج وما يرتبط بها من تكنولوجيا
التعليم والكتب الدراسية وإعداد المعلمين ، ذلك أن المسألة
تتجاوز هذه العناصر الفنية ، على الرغم من التسليم
بأهميتها ، ذلك أن الخلل الذى يكون قائما بالمنظومة
المجتمعية الكلية من شأنه أن يفسد كل جهد للتطوير من زاوية
هذه العناصر الفنية 0
وقد حاول أنصار النقد الاجتماعى أن
يبينوا أن الالتحاق بالمدرسة ، رغم ظاهر الأمر لا يجعل
حظوظ الأطفال من التعليم متساوية ، وقد قامت استقصاءات
عديدة حاولت أن تثبت العلاقة الموجودة بين المنشأ
الاجتماعى – الثقافى للطلاب من جهة ، وبين إيقاع النمو
لديهم وجدوى المدرسة من جهة أخرى 0 وسواء تناولت هذه
الاستقصاءات مرحلة رياض الأطفال ، أوعنيت ببعض معاهد
التعليم الابتدائى أو التعليم الثانوى ، أو عنيت ببعض
المواد الخاصة ، أو بحث موضوع النجاح فى التعليم العالى ،
أو اهتمت بجملة المراحل التعليمية ، فإنها تصل إلى تقرير
نتيجة واحدة ، وهى أن المعدل المتوسط للنمو منذ السنوات
الأولى من العمر ، يتغير تبعا لمستوى البيئة المحيطة
بالطالب ، وأن الأثر الجيد لهذه البيئة يتجلى منذ دخول
المدرسة ، ثم يرسخ ويتأكد خلال المراحل التالية المتعاقبة
، ومستوى الأداء الذى يقدمه الطالب متوقف على مستوى ذلك "
القوام " أو " الجوهر " الذى وفرته البيئة منذ البداية
والذى يقوى ويمكن لنفسه باستمرار بحيث تكون سرعة التفدم
حتى نهاية الدراسة تابعة له ، وهذه العوامل تلعب دورا مهما
أيضا لدى العائلات الريفية ، تلك العائلات التى تجد عسرا
فى تمثل القيم المدرسية والتى تهب الصدارة للأعمال اليدوية
على حساب الأعمال الفكرية 0
وشكلت إسهامات المربى البرازيلى ( باولو
فرير ) رافدا رئيسيا من روافد الاتجاه النقدى الاجتماعى ،
لكنها بحكم صدورها من مرب نبت فى دولة من دول العالم
النامى – مجاملة – المتخلف حقيقة ، مثل كثير من مجتمعاتنا
العربية والإسلامية كان تركيزه على رؤية فكرية وفلسفة
اجتماعية تقوم على أن التنمية لا يمكن أن تتم بإنسان مقهور
، وبالتالى كان من الضرورى أن تقوم التربية على الإسهام فى
تحرير الإنسان حتى يكون عنصرا فعالا فى عملية التحرير
القومى والتى هى المقدمة الأساسية لعملية النهوض القومى
العام 0
إن مشكلة المجتمعات المتخلفة هى فى
الحقيقة تلخص وجود الإنسان المتخلف ، فى وضع يحاول فى
سلوكه وتوجهاته وقيمه ومواقفه مجابهته ، ومحاولة السيطرة
عليه بشكل يحفظ له بعض التوازن النفسى الذى لا يمكن
الاستمرار فى العيش دونه 0 هذا الوضع هو أساسا وضع القهر
الذى تفرضه عليه الطبيعة التى تفلت من سيطرته وتمارس عليه
اعتباطها ، والممسكون بزمام السلطة فى مجتمعه الذين يفرضون
عليه الخضوع ، ولذلك فإن سيكلوجية الإنسان المقهور تنبت
علاقات القهر والتسلط من ناحية ، وردود الفعل عليها من
خضوع أو تمرد من ناحية ثانية فى كل ثنايا وجود الإنسان
المتخلف ، لأنها تكاد تكون من الناحية البنيوية ، الخاصة
الأساسية للمجتمع المتخلف ( مصطفى حجازى ، ص 7 ) 0
ويعتبر التعليم التلقينى من أخطر الصور
المناخية التى تشيع وتدعم القهر ، ذلك أن أهم ما يميز هذا
التعليم هى لهجته المتعالية ، وعدم قدرته على إحداث
التغيير : 5 × 5 = 25 ، عاصمة كذا هى كذا ، الزعيم فلان
ولد سنة كذا ، أما الطلاب فينحصر دورهم فى هذه الحالة فى
الحفظ والتذكر وإعادة الجمل التى سمعوها دون أن يتعمقوا
مضمونها ، وليس من هدف التعليم التلقينى سوى تعويد الطلاب
أسلوب التذكر الميكانيكى لمحتوى الدرس وتحويلهم إلى آنية
فارغة يصب فيها المعلم كلماته 0 وكلما كان المعلم قادرا
على القيام بهذه المهمة ، كان ذلك دليلا على امتياز الطلاب
، وهكذا أصبح التعليم ضربا من الإيداع ، يستحيل عليه أن
يؤدى إلى إبداع 0تحول الطلاب فيه إلى بنوك يقوم الأساتذة
فيها بدور المودعين ، فلم يعد الأستاذ وسيلة من وسائل
المعرفة والاتصال ، بل أصبح مصدر بيانات ومودع معلومات
ينتظره الطلاب فى صبر ليستذكروا ما يقوله ثم يعيدوه ، وفى
ضوء هذا يصبح التلاميذ كائنات متأقلمة وسهلة القيادة
والانصياع ( فرير ، ص 51 ) 0
والوسيلة الأساسية التى يمكن أن تعين
على تحرير الإنسان هى أن يتمحور التعليم حول مشكلات
المجتمع وقضاياه الآنية والمستقبلة 00 أن يكون هناك خط
اتصال بين المدرسة وإيقاع الحياة المتصل الجريان ، شريطة
أن يتم تناول هذه المشكلات بصورة ينتفى فيها وجود المعلم
وحده مصدرا للمعرفة ، وإنما تكون المعرفة والحصول عليها
عملية مشتركة بين طرفى العملية التعليمية ، وأن يتم ذلك عن
طريق الحوار الفعال الذى يقوم بدوره على النقد والتحليل
والتقويم 0
نحو تأسيس عربى إسلامى للمناهج
إذا كنا قد أسسنا الدراسة الحالية على
قاعدة تقول بأن المناهج لابد لها أن تقوم على أساس من
فلسفة بعينها تكون المناهج ترجمة عملية لها من خلال سلوك
المتعلم ، فمن المنطقى ، بعد هذا التجوال بين دروب الخبرات
الحضارية قديما وحديثا ومعاصرة ، أن نسعى إلى أن تقوم
المناهج فى مؤسسات تعليمنا على فلسفة ، أو ما بتعبير أكثر
وضوحا ، خريطة فكرية يستهدى بها العاملون فى هذا القطاع
التربوى المهم 0
إن البعض قد يقول أن أسس المناهج
الفلسفية قائمة بالفعل على مستوى الفكر التربوى العالمى ،
لكننا نتحفظ بداية على هذا القول ، ونؤكد أن التفكير
الفلسفى يستمد مقوماته الأساسية ممن خلال الثقافة التى
ينشأ فيها 0 لقد ذهب ذلك الزمن الذى كان ينظر فيه إلى
الفلسفة وكأنها طائر يحلق فى سماوات علا ، يغرق فى تجريد
يجعل منه صالحا لكل زمان ومكان 0 إنه عمل بشرى ، ينطلق من
عقول بشرية ، ولا يوجد تفكير بشرى إلا من خلال مشكلات ،
وقضايا ومصادمات وتوافقات وحركة جدل فى الثقافة التى يقوم
فيها وبها 0
هذا جانب ، ومن جانب آخر ، فإن للتفكير
الفلسفى وظيفته التى يكاد كثيرون يجمعون عليها اليوم ممن
هم أهل الديار الفلسفية إذا صح هذا التعبيرألا وهو أنه
يتجه إلى ما قد يكون فى الثقافة القائمة من تناقضات ،
ومفاهيم ، ومشكلات ، ليخضع كلا منها للتحليل والتوضيح
والنقد والتقييم ، وتصور الحلول المستقبلية ، وهو بهذه
الوظيفة يجد أنه إذا كان نبتا لثقافة بعينها تشكل بداياته
، فهو بالضرورة متجه إلى هذه الثقافة نفسها بالعمل
والوظيفة والاستشراف 0
ولا يقدح فى هذا أبدا التسليم بصحة
المقولة المؤكدة بضرورة الانفتاح بين الثقافات ، مما سوف
نشير إليه فى بند قادم 0
توجهات العصر الفكرية :
إننا ، من حيث نقطة البداية ، نتناول
فيما يلى عددا من حقائق العصر ومتغيراته ومتطلباته نؤكد
على ضرورة أخذها بعين الاعتبار ، وما هو أكثر من هذا ،
أننا نصرح بأن مساحة الاختيار أن نأخذ بها أو لا نأخذ ، قد
أصبحت ضيقة ، ذلك أن لها طبيعة " اقتحامية " تدخلها فى باب
" الحتميات " والضرورات " :
1-
فهناك هذه المقولة التى حظيت بما لم تحظ به
مقولة أو متغير ربما فى تاريخ الحضارات البشرية كلها ، من
حيث سرعة الانتشار ، والمساحة الزمنية ، وكم المقول
والمكتوب والمذاع عنها – إذا استثنينا بطبيعة الحال
العقائد السماوية ، وخاصة الإسلام - ، هذه المقولة هى
العولمة 0 ولا يتسع المجال للإفاضة فى هذا الأمر ، فما
توافر عنها يكفى وزيادة ، لكن ما نود أن ننبه عليه ، هو أن
المسار الحالى للأحداث يكشف لنا عن أن المسألة لا تقوم فقط
على الإيضاح اللغوى والفكرى والمنطقى للتوجه ، وإنما
الحقيقة التى بدأت تتشكل ملامحها بوضوح أن المراد هو تسييد
نموذج ثقافى بعينه على العالمين ، ألا وهو النموذج
الأمريكى ، والرافض له يوصم بكم مهول من الاتهامات المخيفة
: الإرهاب ، واللاديموقراطية ، والتخلف ، والرجعية ،
والظلامية 00إلخ ، وهذا فى حد ذاته إرهاب خطير يكاد – من
وجهة نظرى – يفوق الإرهاب المادى المسلح الذى يقوم به هذا
الفرد أو ذاك ، هذه الجماعة أو تلك ، وإن كان هذا لا يعنى
بطبيعة الحال إجازته على هذا المستوى 0ولعل هذا ما يعزز ما
سوف نذهب إليه فيما بعد عندما نقترح عددا من الملامح التى
نرى أهمية أن تتأطر بها بها رؤانا الفكرية ، وغاية ما يمكن
الإشارة إليه هنا هو أن نستغل المساحة الحالية للاختيار
مهما كانت ضيقة ، وفقا للمقولة القائلة بأن ما لا يدرك كله
لا يترك كله ، وأبسط ما يمكن التمثيل به هنا ، على الرغم
من جزئيته ، بعض محلات الأطعمة الأمريكية ، ذلك أن ما
تقدمه لا يدخل فى باب التكنولوجيا فائقة التطور والتى تخفى
علينا أسرارها ، فماذا لو حرصنا على أن يكون ما يقدم من
إنتاجنا وصنعنا ، ولا بأس من الاستفادة بالخبرة الأمريكية
من حيث التنظيم ومستوى الخدمة والشكل الخارجى والداخلى ؟!
2-
وما يتصل بهذا هو تلك الجهود المحمومة التى
نراها ونعيشها فى أيامنا الحالية نحو الهمينة0 لقد خدع
كثيرون ، خلال عقدى الخمسينيات والستينيات حيث كان هاك مد
واضح لحركات التحرر ، وحصول عدد كبير من الدول على
استقلالها بعد تخلصها مما كانت تعيشه من احتلال عسكرى ،
ذلك أن البشرية منذ البدء تعيش حركة صراع دائم ، ألم تكن
البداية ممثلة فى هذا الذى حدث بين ابنى آدم ، حيث قدما
قربانا إلى رب العالمين ، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من
الآخر ، فسولت نفس هذا الذى لم يتقبل منه قتل أخيه لتتم
أول جريمة فى التاريخ ؟ رحلت قوى الهيمنة التقليدية
بجنودها وأسلحتها ، وتقدمت قوى هيمنة جديدة ، بأشكال وصور
بدت فى البداية أنها تختلف عن سابقتها ، واستمر ذلك بعض
الوقت ، ثم إذا بها تسفر عن الشكل العسكرى المعتاد ، لتؤكد
حقيقة غفل البعض منا عنها مع الأسف الشديد فى السنوات
الماضية ألا وهى أن الشوك لا ينبت عنبا !! وها هى جهود
مستميتة تبذلها قوى الهيمنة الجديدة للتدخل فى مناهج
التعليم فى بلداننا العربية والإسلامية ، وفى ماذا ؟ فى
أخص ما يتصل بلغتنا وعقيدتنا وتاريخنا ؟! إن أصوات التخاذل
والخزى التى تترامى إلى مسامعنا تزعم أنه لا قبل لنا
بمقاومة ذلك ، وهذا استضعاف للذات إذا تمكن وثبت لهو إذن
بالاضمحلال والوفاة الحضارية ، فتاريخ البشرية كله يؤكد أن
القوة مهما بلغت من ضراوة وشراسة لكنها لا تدوم ، وهى يمكن
أن تهزم ، أما كيف يتم هذا ، فهذا مما قد يخرجنا عن
موضوعنا 0
3-
وإذا كان العالم قد شهد عددا من التكتلات
العسكرية ، مثل حلف وارسو بين دول المنظومة الاشتراكية
السابقة ، حلف الأطلنطى بين دول المنظومة الغربية
الرأسمالية ، وما كانت هذه الأحلاف تسعى إليه ممن الهيمنة
والمواجهة والسيطرة ، فإن انتهاء عالم القطبية الثنائية ،
قد عزز من توجهات كانت قد بدأت متواضعة تسعى إلى التعاون
على التنمية والبناء ، ومن هنا أصبح عالم اليوم يشهد عددا
من التنظيمات التى تقوم على التكتل والتعاون والتآزر فى
عمليات نهوض مجتمعى عام ، كما نرى فى دول الاتحاد الأوربى
، وفى عالمنا العربى ، هناك منظمات جامعة الدول العربية ،
والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم ، وغير هذا
وذاك من منظمات 0 لكن الوقائع تشير إلى تخلخل مزر فى صور
التنظيمات العربية والإسلامية ، وعلى سبيل المثال ، فقد
شهدت جامعة الدول العربية ، منذ أكثر من نصف قرن محاولات
للتوحيد بين المناهج بحيث تترك مساحة لبعض الخصوصيات
الإقليمية ، وتؤكد على عناصر الاشتراك ، لكنها تعثرت
وأصيبت بالسكتة القلبية ، بل إن بلداننا بدأت تشهد ، ومنذ
سنوات ، توجها إلى الإقليمية الضيقة فى صور شتى 00يحدث هذا
بين بلدان تشترك فى اللغة الدين والتاريخ ، ويحدث عكسه فى
بلدان أوربية تتناقض فى خبرتها التاريخية ولكل منها لغة
خاصة به ! وإن كان هذا لا يجعلنا نغفل عن تجربة دول الخليج
العربى على هذا الطريق
4-
وما يتعلق بهذا أيضا ، هذه السهولة وذلك
اليسر فى الاتصال بين مختلف أنحاء العالم ، وبين مختلف
المواقع والشخصيات ، وهذا أيضا كتب فيه الكثير مما لا يترك
لباحث مزيدا ، ومن ثم فإن ما ينبغى الانتباه إليه ما تؤدى
إليه هذه الحقيقة من حقائق أخرى تتصل بها أوثق اتصال بحيث
تكون هذه الحقائقا معا ما يمكن تسميته بثلاثية المعرفة
المعاصرة :
فالتقدم المذهل الذى سارت إليه حركة
الاتصال من شأنه أن يذيب الفوارق الثقافية بين المجتمعات
المختلفة ، ونحن يمكن أن نلحظ ذلك بسهولة ويسر إذا قارنا
داخل مجتمع عربى واحد بين ما كان من سمات ثقافية تفرق بين
المناطق الحضرية والمناطق الريفية أو البدوية أو الساحلية
، والأمر نفسه يمكن تعميمه على مختلف الدول والمجتمعات ،
ومن ثم فإن هذا يطرح تحديا بعينه على المناهج ، فهل تظل
المقولة القائلة بضرورة أن يكون هناك تنوع واختلاف فى
المناهج بين مختلف أقاليم الوطن الواحد ؟ ولقد ثارت فى
الخمسينيات معركة فكرية بين كل من ساطع الحصرى وإسماعيل
القبانى ، حيث كان الأول ينادى " بقومية " المناهج فى
البلدان العربية ، لكن الثانى عارضه فى ذلك مؤكدا على "
محلية " المناهج 0
ويسر الاتصال هذا وسهولته أتاحا – إلى
جانب عوامل أخرى لا شك فيها – تدفقا مذهلا فى المعلومات ،
حتى أصبحت تعيش سيولة ، بل قل ، طوفانا مرغوبا فيه ، مما
لا يترك حجة لأحد فى ألا يقف على كل جديد سواء فى مجال
المناهج وطرق التدريس أو فى العلوم التربوية والنفسية بصفة
عامة مما يتيح فرصا أكثر للتطوير والتجديد والتحديث ، وفق
لما يتم الوصول إليه من محدثات العلم وتطبيقاته
التكنولوجية 0 لقد أدى هذا إلى ما يعرف بتحول فى السلطة ،
فلم تعد القوة تكمن فى العضلات والجسم عموما كما كانت فى
العصور الأولى ، ولم تعد فى كثرة الأسلحة وتقدمها ، ولا فى
القوة الاقتصادية ، وإنما أصبحت القوة الحقيقية فى المعرفة
، فهى بذاتها وراء قوة الأسلحة ووراء قوة الاقتصاد ، وتصبح
بالتالى حالات التخلف التى قد تتبدى فى بعض المناهج آية
ضعف وتخلف قومى عام 0
أما الأمر الثالث فى هذه القضية فهو ما
أصبح معروفا بالشفافية ، بمعنى ضرورة توافر الحقائق
والمعلومات والبيانات بين الناس 0 لقد مضى زمن كانت فيه
بعض البلدان تفرض حظرا على دخول عدد من المطبوعات ، سواء
كانت كتبا أو تقارير أو دوريات ، وأصبح هذا إجراء مثيرا
للسخرية الآن ، ذلك أن الفضائيات العالمية أصبحت " مقتحمة
" لنا فى عقر دارنا ، وأصبحت شبكة المعلومات العالمية
متوافرة فى كل نجع فى الدنيا 0 لقد كانت بعض الكتب
الدراسية تغفل معلومات تتصل بناحية معينة لا يرى هذا البلد
أو ذاك ضرورة فى عرضها ، لكن الجمهرة الكبرى من التلاميذ
الآن أصبح بإمكانها أن تعرف هذا الذى مُنعوا من معرفته ،
فهل يمكن أن يستمر البعض فى هذا القصور المعلوماتى المؤسف
فى بعض الكتب ؟
5-
وكان انهيار منظومة الدول الاشتراكية بدءا
من انهيار حائط برلين فى نوفمبر 1989 إعلانا ببداية مرحلة
جديدة عالمية ، وصفت بأنها النظام العالمى الجديد الذى
يقوم على القطبية الواحدة ، وهى هنا الولايات المتحدة
الأمريكية ، وكان هذا يعنى تسيدا للفلسفة الأساسية التى