ملخص البحث
لما كانت معالجة القضايا المهمة تقتضي
النظر في أصولها الكلية، فإن هذا البحث قد تعرّض، بمنهج
تحليلي، للتحديات التربوية في هذا العصر من خلال (فلسفة
التربية في عصر عولمة)، حيث تم عرض ومناقشة الموضوع من
خلال أربعة محاور أساسية.
في المحور الأول عالج البحث، في أسلوب
تمهيدي، موضوع العولمة والتفاعل الاجتماعي بين الشعوب،
فتبيّن من خلاله أن ظاهرة العولمة لا محالة قادمة،
وبالتالي ينبغي للمسلمين أن يتفاعلوا معها من أجل تكييفها
لصالح الأمة. وفي المحور الثاني تعرض البحث لمفهوم التربية
ومهمتها في الإسلام.
أما المحور الثالث فقد عالج جانبين: جانب
يتعلق بأبعاد العولمة وأثرها على التربية في العالم
الإسلامي، حيث تمثلت أهمها في خمسة أبعاد هي: البُعد
الاجتماعي-الثقافي، والبُعد الإقتصادي، والبعد
السياسي-العسكري، والبعد الإعلامي، وأخيراً قضايا البيئة.
وقد تعرّض البحث ضمن هذا المحور لجانب آخر يتعلق بالعناصر
التي تشكّل العولمة، حيث تم بيان أهم تلك العناصر التي
تمثلت في (اللا-مركزية ، واللا-قطرية، و الحركة الحرة
لرؤوس الأموال والبضائع عبر الحدود الدولية).
لعل أهم محاور هذا البحث تمثل في
المحور الأخير الذي كان موضوعة (مقومات فلسفة التربية
في عصر العولمة)، حيث تم النظر إلى هذه المقومات من
منظور عقدي، ومن منظور أخلاقي قيمي، ومن منظور علمي معرفي،
ومن منظور اجتماعي.
Abstract
At the opening of
the period of globalization, at about 800AD, the nearest
approximation to a worldwide political order was the
Muslim world. Its origins lay in the Muslim conquest of
the seventh century, and its binding force was religion
of Islam who had instructed Islamic worldview and Muslim
thought in his education system.
At the time it
ranged from Spain and Morocco, through Damascus, Cairo
and Baghdad, to Persia and North India; in the centuries
that followed; it reached as far as the Indonesian
islands, and Central and East Africa. Even by comparison
with medieval Europe, it was a prosperous, productive
and culturally rich world.
However,
Islamic world had gone through many her declined
centuries, and today it facing contemporary issues and
global challenges, especially cultural and educational
challenges. There are many questions should be answered
by Muslims in global era, most important of which is
that how Muslim should interact with globalization
challenges to gain more benefits?
This paper,
using educational philosophy in Islam as unit of
analyses, discussed this question in four dimensions;
globalization as social interaction; concept and aspects
of education in Islam; and educational challenges of
globalization in Islamic World.
Among others,
the most important outcome of this work is that Muslims
in their struggling to overcome globalization challenges
generally and especially in educational system in
Islamic World, they should be more positive with
globalization facts as well as they should actively
contribute to shape this phenomenon. So the best way to
regain glorious ages of Islam is the positive
interaction with globalization.
فلسفة التربية في عصر العولمة
(قراءة نظرية من منظور إسلامي)
1- مقدمة: العولمة والتفاعل الاجتماعي بين
الشعوب
تأتي هذه الدراسة في ظل الخلفية الفكرية
للجدل المستمر حول القضايا العالمية المعاصرة وتداعياتها
على حياة الشعوب، فكرياً وثقافياً وتربوياً. وفي ظل الصراع
القائم حول طبيعة النظام العالمي الجديد المعروف بـ(العولمة)
(Globalization)
وتحدياتها على مجتمعاتنا الإسلامية والعربية عبر موجة
الحضارة المادية التي تجتاح العالم الآن وتحاول أن تجعل كل
القيم والنظم الأخلاقية والتربوية للشعوب خاضعة لمعاييرها
باسم العولمة. ففي الوقت الذي يزداد العالم تقارباً
وترابطاً في كافة المجالات ليزداد به الشعوب تفاعلاً
وتعارفاً من خلال ثورة الاتصالات والمعلومات، تزداد
الإشكالات الاجتماعية والثقافية التي تستعصي على الدولة
الواحدة أن تتصدى لها.
طُرحت أفكار عديدة حول ظاهرة (العولمة) التي تغشى البشرية
في هذه الحقبة من التاريخ، بحثاً عن طرق تكييفها ووسائل
تشكيلها. ولا شك في أن كلاً من تلك الأفكار كانت مدرك
للحقيقة في جانب، ولكن الحلقة الجامعة لها جميعاً هي أنها
تشكل نوعاً من تدافع حضاري فكري يعكس بصورة أوضح طبيعة
العلاقات التي ستحكم البشرية في هذا العالم الجديد، على
مقتضى سنن الله الكونية في حركة الأمم الحضارية.
وهكذا باتت (العولمة) ظاهرة ذات بعدين:
سلبي وإيجابي يتحدد أحدهما وفق أسلوب التعامل لا بذاته.
إن القوى الفكرية التي تقف وراء
العولمة وتعمل على توجهيها حتى الآن تغلب عليها المثالب،
إذ تقوم على التدافع والتنافس المطلق بين الشعوب على مظاهر
الحياة، بعيداً عن القيم، بل هي إعادة صياغة للمفاهيم
القيمية والأخلاقية من جديد لتكون إرادة الغالب هي المعيار
في كل شيء، الأمر الذي يعني زعزعة قيم الشعوب والتشكيك في
قواعد أخلاقها واضطراب مثلها، وإنصهار ذاتيتها مع الأهواء
والمصالح الآنية للشعوب، دون ضابط معروف للتعامل بين
الناس. وفي ظل هذا التفاعل الثقافي الكثيف ينمحي الهوية
الحضارية للأمة وتضيع ذاتيها فيصبح في موضع التخلف
والتبعية العمياء.
في ظل هذا التحديات الماثلة أمام كل
القيم والنظم الأخلاقية والتربوية للشعوب، يحق لأمة
الأسلام والعروبة أن تتساءل:
*- كيف يتأتي لأمة الإسلام أن تحافظ على
هويتها الثقافية وقيمها الدينية وفلسفتها التربوية في سياق
العولمة وعالم المتغيرات ؟
*- وما هي الآليات والوسائل الداعمة لوضع
قواعد التربية الثقافية والفكرية للأمة بحيث تكون قادرة
على مجابهة تحديات العولمة، بل التفاعل معها وصياغتها وفق
قيم السماء وسنن الفطرة الإنسانية السوية ؟
*- وما التدابير الملائمة التي يجب على
الأمة اتخاذها لتسهم في تشكيل العولمة بصورة تنتهي في
نتائجها لصالح البشرية جمعاء ؟
*- ثم ما هي الرؤية الحضارية للأمة التي
بها تتحدد أولويات التربية، وتكون بديلاً حضارياً للرؤية
الوضعية (conventional)
أمام البشرية، في ظل هذه المتغيرات الجذرية في عالمي الفكر
والثقافة وتداعياتها على الحياة ؟
إذا كانت النظم التربوية المختارة لدى
الشعوب وفق مثلها الأعلى، والتي تحرص على توريثها للأجيال،
تنبثق أساساً من رؤيتها الكلية (World
View)؛
فإن الحديث عن فلسفة التربية هو المدخل الصحيح للتعامل مع
القضايا الفكرية والثقافية في هذا العصر (الكوني)، ولتحديد
الأولويات التربوية في عالم المتغيرات.
كما أن جعل فلسفة التربية نقطة محورية حول
الأسس الثقافية والتربوية للأمة تقتضيه طبيعة العوامل
المحركة للـ( العولمة) ذاتها، والتي تتمركز جُلّها حول
القضايا الاجتماعية والثقافية والفكرية الناتجة عن التفاعل
بين الشعوب في مختلف مجالات الحياة، مثلما يقتضيه البحث عن
الآليات الضرورية لمواجهة تلك التحديات والتفاعل معها من
أجل تكييفها وفق مبادئ الإسلام وتوجيهها لصالح البشرية.
من أجل مواجهة تحديات العولمة بصورة
منهجية جادة، لا تجدي ردود الأفعال، ولا الأعمال غير
المخططة ولا التصرفات الفردية العفوية. وإنما لابد من بناء
الأمة وتربيتها. ومن أجل بناء الأمة في الحقيقة، لا تكفي
تعبئة الشعوب بالكلمات الزائفة المجردة عن القيم والمثل،
ولا برفع الشعارات الخالية من المصداقية والمضمون، وإنما
في سبيل حمل رسالة الخلافة في الوجود لابد من تربية الأمة
أولاً على المثل العليا والرؤية الصحيحة عن الكون والإنسان
والحياة. وهو الأمر الذي لاحظ أهميته في هذا العصر أحد
الغربيين وعبّر عنها بقوله:(لبناء الأمة لا يكفي ببساطة
تعبئة الشعوب، بل لابد من تعليمهم مَنْ هُم ومِن أين جاءوا
وأين سيذهبون).
To create the nation
it is not enough simply to mobilize compatriots. They
must be taught Who they are, where they come from, and
where they are going?.
2- مفهوم التربية ومهمتها في الإسلام
معنى التربية، كما ورد في القرآن، هي إنشاء
الشيء حالاً فحالاً إلى التمام، كما في قوله تعالى:)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)(
(الفاتحة).
والتربية في الإسلام منهج يستهدف صياغة كيان الإنسان في
كليته: عقلاً وروحاً، جسداً ونفساً. والإنسان ليس جديراً
بهذه التسمية إلا بالتربية، وليست التربية في الإسلام إلا
اتباع الأصول التي جاء بها الأنبياء والمرسلون من الأحكام
والحِكم والتعاليم، وهي المباديء الحقيقية التي تأخذ بيد
الإنسان إلى أعلى مراتب القيم الحميدة وحسن الأخلاق.
ولقد جاء الإسلام برؤية كونية توحيدية
فطرية، وبقيم ومبادئ تربوية هادئة تقصد إلى الخير
والإحسان، تحي الضمائر وتنير العقول وتبني حس المسؤولية في
الإنسان. فصارت من أصول الإسلام كون الدين هو الموجه لحركة
المجتمع ومصدر كل نظمه العاملة التي منها التربية بوسائلها
المختلفة. ومن هذا الوجه يتبيّن أن الدين هو روح حركة
الحياة في الإسلام وروح العلوم والمعارف كلها وروح
المجتمع.
فالتربية في الإسلام، نظرياً وعملياً، لا تجد مرجعيتها
إلا في الدين، ومفهوم العلوم ليس مقصوراً على علوم الدين،
بل يشمل كل المعارف التي كشف الله عنها للبشر.
وسريان روح الدين في كل شعاب الحياة والمعارف في المنظور
الإسلامي هو المفهوم الصحيح للتربية، كما فهمه الأقدمون من
علماء الأمة قبل نشأة بدعة تفريق العلوم إلى ديني ودنيوي.
فمما قيل في هذا الصدد أن أبا حسن الأنباري كان يشتغل
بالعلوم الهندسية ولما مرّ عليه بعض المشتغلين بالفقه
وسألوه، بشيء من التهكم، بِمَ تشتغل ؟ أجاب: إني اشتغل في
تفسير قوله تعالى:)
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ(6)(
(ق)، فأنا في علومي أبين كيفية بناء هذا السماء.
فالتربية في الإسلام منهح متكامل يعنى بالجسم والروح
والعقل. ومن أجل تكامل النظرة الإسلامية إلى الحياة
والوجود والمجتمع، جمعت التربية الإسلامية بين تأديب النفس
وتصفية الروح وتثقيف العقل وتقوية الجسم، فهي تعني
بالتربية الخلقية والصحية والعقلية دون إعلاء لأي منها على
حساب الآخر. ولذلك ينشأ المسلم سوياً قوى الصلة بالله،
محققاً لرسالته في الحياة.
أما غاية التربية فهي بناء الإنسان وصياغته بالصورة التي
يتمكن من حمل رسالة الاستخلاف في الأرض بالعبادة والتعمير.
ولكن يبدو، مع التقدم والحداثة، تزداد الحياة تعقيداً
وكأن هذا التلازم بين التقدم والتعقيد في الحياة قاعدة
عامة هي من طبيعة هذه الحياة المعاصرة، ولعلها كبرى
مشكلاتها. ومع تعقيدات الحياة المعاصرة تزداد العملية
التربوية تعقيداً، إذ تنعكس هذه التعقيدات على التربية
فتجعل منها عملية متشعبة المشارب والمجالات لا ينحصر همها
في التعليم والمعلمين وإنما تتعداهم إلى جميع قطاعات
العمل، حتى لا يبقي قطاع من قطاعات المجتمع إلا ويقوم بدور
تربوي، كبر شأنه أو صغر. لذلك يتحدث المربون اليوم عن دور
الإعلام والنادي والسوق والمصنع والمتجر، فضلاً عن الأسرة
والمؤسسات التربوية والدعوية والمسجد، في العملية
التربوية. كما يتحدثون عن (المجتمع المتربي) أي المجتمع
الذي يشارك في جميع الناس في العملية التربوية
فالتربية في الإسلام لها منافذ متعددة،
منها الأسرة والمسجد والمجتمع إلى جانب المؤسسات التربوية
النظامية من المدارس والجامعات. والنظر إلى واقع الحياة
العصرية يبيّن لنا، للأسف، أن هذه المنافذ التربوية تتعرض
الآن لرياح العولمة وتحدياتها. فالإعلام الملوث بالأفكار
المسمومة تغشي البيت والمدرسة، بل باتت معاني الأسرة في
خطر عظيم. ورسالة المسجد والدعوة تكالبت عليها الأعداء
بدعاوي شتى ! وما ذلك إلا لأن التربية في الإسلام ليس
نظاماً قائماً بذاته، وإنما هي نظام ذو علاقة وثيقة
بالأوضاع السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية في
المجتمع الذي تخدمه التربية. ومهمة التربية في الإسلام
عملية اجتماعية شاملة تضم كل شرائح المجتمع وطبقاته،
إبتداء بالنشء في الأسرة مروراً بالعوام وأرباب المهن،
وإنتهاء بالنخب والمثقفين. فقوام الأمة وأساسها هي التربية
الخلقية التي يصفها القرآن بـ( التزكية)
)
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ
دَسَّاهَا(10)(
(الشمس). ولذلك فتطهير النفس وتزكيتها من
رزائل الأعمال والخصال وتحليتها بالفضائل إنما هو شرط
جوهري لإحداث التغيير الإجتماعي المنوط به نهضة الأمة
)
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (11)
(
(الرعد).
والتربية بهذا المعنى إنما هي غرس
للمبادئ والقيم وأخلاق الفطرة السوية، من عدل ومساواة وصدق
وإخلاص، في صميم قلب الإنسان، والنشء خاصة، لتُسقَى بماء
التعارف والتواصل والتراحم بين الناس فتؤتي أكلها وثمارها
سلاماً ووئاماً وتعاوناً في المجتمع الإنساني:)
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ
كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ (159)(
(آل عمران).
)
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى
الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)(
(المائدة).
فالناس في كل الأمم أكفاء فيما بينهم لا يتمايزون إلا
من جهة العقول ونوعية الأخلاق، وهي لا تكتمل إلا بالتربية.
3- فكرة العولمة وعناصر تشكيلها
ليس للعولمة مفهوم موحد متفق عليه
عالمياًًً، ولكن يحاول كل طرف أن يفسرها بطريقة تتفق مع
مصلحته الخاصة. وهذا يبيّن أن العولمة عملية مستمرة(Process)
ما زالت في طريقها إلى البلورة والصياغة التكّون. أما ما
تسعى إليه القوى العظمى باسم العولمة فهو إعادة تشكيل بعض
الأعراف الدولية المستقرة حتى الآن في التعامل بين الأمم،
وذلك بإعادة تعريف وتقنين المفاهيم التي سادت العلاقات
الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، مثل مفهوم (الدولة)،
و(السيادة) وغيرهما، لتتفق مع المصالح والأطماع المتزايدة
لتلك القوى.
يستعرض المنظّر والكاتب الأمريكي في
قضايا العولمة ديفيد هلد
(David Held)،
أثر التكنولوجيا على تشكيل العولمة، فيقول:( إن هذه
التطورات التكنولوجية قد ساعدت الغرب في التوسع من حدودها،
ومكّنت الفلسفات العلمانية التي ظهرت في أواخر القرن
الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلاديين- ولا سيما
العلمنة وفلسفة التحرر والفلسفة الاجتماعية- من تشكيل ونشر
الثقافة العلمانية إلى كل مجتمعات العالم تقريباً. أما
الثقافة العامة المعاصرة فربما لم تتأثر اجتماعياً بعد،
ولكن المناصرون للعولمة يقولون إن كثافة وسرعة انشار
الثقافة العالمية وحجم تشكلها أمر لا يمكن غض الطرف عنه).
3/1 فكّر عالمياً واعمل محلياً(think
globally and act locally)
(فكّر عالمياً واعمل محلياً) شعار
مرفوع من قِبَل الذين أدركوا تحديات العولمة وتيقنوا من
ضرورة التفاعل معها. وفي إطار تحديد عواملها (Factors
of Globalization)،
يحاول المنظّرون جمع المفاهيم العامة للعولمة حول ثلاثة
مبادئ جامعة،
يوميء كل منها إلى الأفكار التي وراءها والغايات التي يرمي
إليها أصحابها، وهي:
أ-
اللا-مركزية
(decentralization)،
ويعني أن أثر العلاقات المتشابكة والمتداخلة بين الأمم
(Interdependence
relations between nations)
لا تفسح مجالاً للدولة الواحدة بالتصرف على إنفراد دون
المجتمع الدولي. ويرون أن ذلك يصدق حتى في كثير من القضايا
الداخلية للدولة المعنية، مثل تلك القضايا المتعلقة
بالتجارة وبحقوق الإنسان، بل حتى السياسات التربوية باتت
مجالاً للتدخل في شؤون الدول بدعوى مختلفة. ومن خلال هذا
المبدأ تتصرف الدول الكبرى وتفرض إرادتها وثقافتها على
الشعوب المستضعفة باسم المجتمع الدولي، كما حدث مراراً في
محنة العراق وأفغانستان.
ب-
اللا-قطرية
(denationalization)،
ويعنون بذلك أن الحدود السياسية المعروفة بين الدول تبدأ
في الإنحصار والتلاشي أمام الكثير من حقائق العولمة، وقد
بدأ فعلاً بالاتصالات والتجارة الإلكترونية، حيث لا حرمة
لسيادة الدولة ولا إحترام لإرادتها. ويظهر خطورة هذا
المبدأ على التربية والتعليم من حيث نقل الأفكار الضارة
بالنشء وبالمجتمع إلى داخل الوطن ومن ثم تنفلط العملية
التربوية عن الانضباط والسيطرة.
(National boundaries
became meaningless in communication and e-commerce
realms).
(Those states, which
seek to pursue rigid closed-door policies on information
and culture, are certainly under threat of
socio-economic life everywhere will be transformed by
them as well. Cultural flows are transforming the
politics of national identity and the politics of
identity more generally). (David 18)
ت-
الحركة الحرة
(Free
movement)
لرؤوس الأموال والأرباح والبضائع (والأفراد على قدر) عبر
الحدود، وتحرير السوق ليضبط نفسه بنفسه.
من خلال هذا المبدأ يتم غزو البلاد
المستضعفة عن طريق الشركات الكبرى فيصبح استقلال الدولة
وسيادتها في خطر فتضيع إرادتها السياسية وسياستها
التربوية.
(Free market rules
and trade liberalization on a global scale are
manifested in the General Agreement on Tariffs and Trade
(GATT)).
(Competitiveness as the major survival strategy in all
walks of life, and business in particular
(.
وهكذا يصبح قانون الحركة الحرة
والتنافس الحر هما أهم خاصتين للعولمة، مما يعني ضمناً إنه
لا حياة للضعفاء والمتخاذلين عن ركب العولمة. وهذه صيغة
أخرى لقانون شارلس دارون في الانتخاب الطبيعي والبقاء
للأصلح، ولكن تختلف عنها في أن التنافس على الحياة في عصر
العولمة يقع في مجال العلاقات الإنسانية التي أرشد الله
عباده للتعامل فيه وفق ضوابط العقل وقانون الشرع، للسمو
بمقام الإنسانية عن درك الأنعام. أما قانون دارون فكان في
مجال الحياة الطبيعية.
هذه المفاهيم- أعني اللامركزية
واللاقطرية والحركة الحرة-، كما هو ظاهر، عبارة عن
متقابلات أو أضداد لمفاهيم سادت إبان نظام (ثنائة القطب)
في العلاقات الدولية، وبالتحديد مفهوم المركز والأطراف،
ومفهوم الدولة القطرية، ومفهوم السيادة. والغاية من تغيير
هذه المفاهيم القديمة هي زعزعة المراكز القانوية المستقرة
في العلاقات الدولية لنهب الثروات وإذلال الشعوب. ولحماية
هذا المخطط في سياسات العولمة أُبتكرت وسائل وأدوات
للتطبيع، بعضها في الجانب الإقتصادي، مثل المنظمات
التجارية الدولية والإقليمية كمنظمة التجارة الدولية (WTO)،
مجموعة السبعة الكبرى وغيرهما، والبعض الآخر في الجانب
السياسي، كتكوين التحالفات والكيانات الكبري مثل الإتحاد
الأروبي
(EU)،
والحلف الأطلسي وغيرهما.
كل هذه أدوات ووسائل لتنسيق المواقف
وحماية المصالح وتنفيذ الأغراض في سوق العولمة ذات
المنافسة الحرة، من غير ضبط أخلاقي من قيم السماء أو قانون
الفطرة السوية. وإلى جانبها كياناتهم القديمة التي هي
بالأصل أدوات لتنفيذ مخططات الدول الكبرى، مثل مجلس الأمن
وصندوق النقد الدولي وأمثالهما. هذا باستثناء الشركات
العالمية الكبرى المعروفة بـ( المتعددة الجنسيات
Multi-cultural
Corporations
) التي هي صاحبة القرار الحقيقي في الدول الكبرى من وراء
الكوليس.
3/2
محاور العولمة وأثرها على التربية في العالم الإسلامي
إن تحديات العولمة لا تأتي من باب واحد،
كما أن إنطلاق العولمة نحو الواقع لا تسلك منهجاً واحداً
ولا أسلوباً محدداً. فالعولمة لها مداخل وأبعاد مختلفة
تتبع شعاب الحياة ومناشط المجتمع كلها، فتؤثر على العملية
التربوية في كافة مستوياتها.
بعد النظر والاستقراء لأدبيات العولمة
يمكن حصر مداخل العولمة في خمسة محاور رئيسية، تتفاوت
أهميتها ودورها وفق ظرفي الزمان والمكان، ولكنها متعاضدة
ومتناسقة من حيث نتائجها النهائية وأثرها على العملية
التربوية. ولعل أبرز هذه المحاور في الوقت المعاصر يتمثل
في البُعد الإقتصادي للعولمة، ويليها البعد السياسي-
العسكري، ثم الإعلامي، ثم البيئي. ولكن أهم بُعد للعولمة
من حيث أثرها على التربية يتمثل في المحور
الاجتماعي-الثقافي.
ليس المقام هنا مقام بيان وتفصيل لهذه
الأبعاد، وإنما الغرض هو عرض مجمل، ثم وقفة مع أثر العلومة
على المفاهيم التربوية من خلال هذا المحور الأخير، أعني
الاجتماعي-الثقافي.
أ- البُعد الإقتصادي وأثره على التربية
(
Economical dimension)
إن كانت القوة العسكرية المسبوقة بالدراسات
الاجتماعية-الأنثروبولوجية هي الوسيلة والمدخل المباشر في
شؤون الدول ونهب ثرواتها وإزلال شعوبها في عصر الحداثة وما
بعد الحداثة، يبدو أن بوابة الإقتصاد هي المفضلة في عصر
العولمة. بل هي أكثر فعالية في الوفاء بالغرض من كل
الأساليب السابقة العسكرية.
وعولمة الإقتصاد تعني تحرير ودمج السوق
العالمي ((Free,
integrated world market،
ومن أهم وسائل هذه العملية ما يلي:
1/ الحركة الحرة للبضائع ورؤس الأموال
والأرباح وتدفقها عبر الحدود الدولية دون إعتراض من الدول
المعنية.
Free flow of goods,
capital, and convergence in interest rate
2/ تحرير سعر الصرف وتداول العملات، بحيث
يحكم السوق نفسه بنفسه.
3/ إنشطار العالم إلى فريقين لا ثالث لهما:
المركز والأطراف، والفاصل بينهما هو الغنى الفاحش والفقر
المدقع.
World is compost of
two major regions: center and periphery, separated by
gap of wealth, rich and poor.
4/ تحكيم منطق: مضاعفة الرباح والبقاء
للأصلح (survival
of the fittest).
أما أثر عولمة الإقتصاد على التربية فيكفي أن نشير إلى
ما ذكره الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق
في هذا الصدد، وهو قوله:( إن المتطرفون لنظرية السوق
والمؤيدون للعولمة قد رفعوا شعارات:(البقاء للأصلح)،
و(كفاءة السوق)، و(مضاعفة الأرباح) واتخذوها ديناً لهم،
وجعلوا كسب المزيد من الأموال قاعدة للأخلاق في دينهم، ولا
يعني بقاء الأصلح عندهم، في أكثر الأحوال، إلا بقاء هؤلاء
أنفسهم، وليس بقاء الأفضل أو الجدير بذلك حقاً).
ب- البعد السياسي- العسكري
(Political
and Military dimension)
من أهم وسائل البعد السياسي للعولمة ما
يلي:
1/ تجاوز فكرة الدول القطرية (Nation-State)
والتصدي للقضايا الدولية بصورة جماعية.
2/ دعم المناقشات السياسية بين الدول
بالقوة العسكرية.
3/ تجاوز فكرة الحدود الدولية.
4/إعادة تشكيل نماذج القوى الإقتصادية والاجتماعية
المسيطرة على المبادئ الحاكمة للعلاقات الإقليمية.
ج-قضايا البيئة
(Environmental
dimension)
من أهم قضايا العولمة التي تستحق أن تعالج
عالمياً هي قضية البيئة. والأنشطة التي تقوم بها منظمة
(السلام الأخضر) (Green
Peace)
عبر الحدود الدولية خير شاهد على هذا. ولكن للأسف حتى هذا
النوع من القضايا قد توظف لأغراض سياسية. أما أهم مشكلات
البيئة التي في حاجة إلى معالجات جماعية من المجتمع الدولي
فهي الآتي:
1/ مشكلات الصحة وحياة الإنسان بصورة عامة،
كدرء الأوبئة والأمراض الفتاكة مثل مرض نقص المناعة
الطبيعية (AIDS)
والسارس ووالكوارث البيئية وغيرها.
2/ مشكلات تلويث البئية بصورة عامة، سواء
كانت بإلقاء المواد السامة في البحار أو دفنها في الأرض أو
تلويث الجو بحرق الغابات ومخلفات المصانع أو غيرها.
3/ الحرارة المتزايدة الطبقة الجوية
الواقية للأرض (ozone
layer).
هناك محاولات عديدة لإعتبار قضايا حقوق
الإنسان مثل قضايا صحة الإنسان وحياته، ولكن كثيراً ما
استغل اسم حقوق الإنسان لأغراض سياسية.
د- البعد الإعلامي للعولمة وأثره على
التربية
لا يخفى على المرء في هذا العصر ما للإعلام
من دور كبير في التربية، سواء كان على مستوى المؤسسات
التربوية والدعوية، أو الأسرة، أو المجتمع بصورة عامة.
ولكن لما كان الإعلام مجرد وسيلة تصلح
لأغراض مختلفة فقد تم استغلالها، في أكثر الأحوال، بصورة
سيئة تضر بالمجتمع وتلحق الأذي بالقيم الأخلاقية
والتربوية. فكم جلبت وسائل الإعلام المغرض المفتوح إلى
الأسر والأمهات المسلمات من ثقافات لا تليق بمقامهن، وهن
موقرات في بيوتهن ؟، وكم جلبت وسائل الإعلام أيضاً من
أفكار ضارة وهدامة إلى النشء وهم في قاعات الدرس أو في ظل
المجتمع؟
أما أهم وسائل البعد الإعلامي للعولمة فهي لا شك
الوسائل المرئية والسمعية، كالتلفاز والمزيا، التي تعبر من
أكثر أساليب الإقناع في هذا العصر. ولكن مهما يكن من أمر
إن الخطر لا يكمن في تقنية وسائل الاتصال نفسها، وإنما في
محتوى الرسالة الإعلامية فيها، ولذلك لا جدوي من مقاومة
أثر الغزو الفكري بتحريم تلك وسائل نفسها، وإنما الأجدى
معرفة كيفية التعامل معها من خلال تنظيمها وضبطها لصالح
الشعوب، وتغذيتها بالمفيد من البرامج التربوية الخلقية
والفكرية ، واستخدامها للتواصل بين الشعوب والتعارف بينها
لا لتكريس التبعية الثقافية للغزو الفكري ، وذلك عبر
استراتيجية إعلامية تربوية.
هـ البُعد الاجتماعي- الثقافي للعولمة
وأثره على التربية
بالنظر إلى العلاقات الاجتماعية- الثقافية،
لا شك ثمة تداخل وتفاعل بين الشعوب في المجتمعات المختلفة
على مستوى العالم في هذا العصر أكثر من أي وقت مضى.
هذا التداخل والتفاعل لا شك تجني
البشرية من ورائه فوائد ومنافع كثيرة، كتبادل الثقافات
والأفكار، فيقع التعارف والتفاهم ثم التعاون بين الشعوب،
كما أشار إليه القرآن:)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ (13)(
(الحجرات).
ولكن هذه العملية التفاعلية بين الشعوب لا
تخلو من مثالب، ويظهر ذلك في الآتي:
1/ إن الحركة والانتقال الحر للأفكار
والثقافات والمعتقدات عبر الدول تشكل خطراً على تربية
النشء على القيم الحميدة والأخلاق الحسنة التي هم في حاجة
إليها في مقتبل عمرهم.
2/ إن تقارب العالم لا يحقق الأمن والسلام
بالضرورة، لأن التفاعل بين المجتمعات لا يعني الإنسجام
الاجتماعي أو المساواة بالضرورة وفق المفهوم الشائع
للعولمة.
3/ إن غاية العولمة هي إختزال كل الثقافات
في الثقافة الغربية لتكون محوراً لثقافة عالمية علمانية
موحدة.
4/ إن توظيف القوى الإعلامية في بث قيم
الثقافة الغربية يلحق ضرراً بالقيم والأعراف المحلية
للشعوب.
ومن أهم أهداف عولمة الثقافة، كما
يصرح بها أنصارها، ما يلي:
1/ إزالة القيم المحلية وطمس الهوية
الوطنية للشعوب وفرض الثقافة الغربية بدعوي الدفاع عن حقوق
الإنسان.
2/ تهميش الدين والقيم والأخلاق لتصبح
مسائل شخصية في إطار ثقافة عالمية.
3/ رفض كل القوانين والتشريعات والسياسات
التربوية التي لا تتوافق مع مبادئ الثقافة الغربية.
4/ الضغط على الدول لتغيير المناهج
التربوية إلى ما ينسجم مع الثقافة الغربية.
إن العولمة الثقافية، كما هو ظاهر من
هذه الأهداف، تمثل تحدياً حقيقياً للنظم التربوية ومناهج
التعليم في العالم الإسلامي. إذ تصبح، بمقتضى أهداف
العولمة، كل ما يتعلق بالدين والقيم والأخلاق الإسلامية
مرفوضاً ومحارباً باسم العولمة، الأمر الذي يضع المسلمين
في تحد سافر ومواجهة مباشرة مع القوى الدولية الكبرى.
إذن العولمة بهذا المنظور، كما هو
واضح، تعتبر مثلبة في حق المسلمين وتشكل تحدياً للإسلام.
ولكن النظرة الفاحصة والبصيرة النافذة تؤكدان أن ذلك لا
يكون إلا على المدى القصير فحسب ! أما استرتيجياً فالعولمة
تجلب الكثير من الفوائد للمسلمين، وتعتبر منقبة في حق
الإسلام. ذلك لأنها تحقق غايتين من أهم غايات الإسلام:
الأولى:
إنها تحقق الوحدة الإسلامية، وذلك لأنها تشكل تحدياً
واقعياً يدفع المسلمين إلى التفكير بجدية في وحدة الصف
الإسلامي والبحث عن الأسلوب الأمثل للتعامل معها. وفي ذلك
تهذيب وتكييف للعولمة في صالح الإسلام والبشرية عامة.
الغاية الثانية:
وهي الأهم، إنها تحقق الإنفتاح الإسلامي على العالم، وذلك
عن طريق التفاعل بين الشعوب عبر وسائل الاتصال المختلفة
التي أنجزتها يد البشرية بعون الله في عصر العولمة.
فالقرآن الكريم لم يكفّ قط عن دعوة المسلمين بالسير في
الأرض والإنفتاح على الأمم والتفاعل مع الشعوب، لأنه ما
التقى الإسلام مع أي فكر أو دين في أرض حرة إلا كانت له
الغلبة. فالإسلام غالب لا مغلوب ما توفرت معطيات للتفاعل
بين الأفكار كما أثبتتها الواقائع التاريخية المختلفة، لعل
أبلغها إسلام الكثير من غزاة أرض الإسلام، فعجباً للغالب
أن يعتنق دين المغلوب !
إذن عولمة الثقافة يمكن فهمها في إطار
الظهور الكلي لدين الإسلام، إذا تعامل المسلمون مع العولمة
ببصيرة نافذة وتخطيط حسن. نقرر هذا لأن التعدد والتنوع
الثقافي في نظر الإسلام أمر محمود، بل هو نعمة من الله
وآية من آياته الدالة على وحدانيته تعالى:)
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(22)(
(الروم). فالتباين الثقافي سنة كونية لا يمكن إزالتها من
الوجود، وهو أمر محمود في حق البشرية. وعليه تصبح كل
محاولة للوقوف في وجه هذه السنة بدعوى توحيد الناس تحث
ثقافة عالمية مصيرها الفشل. والغاية من هذا التعدد
والتباين بالألسن والألوان والثقافات، في نظر الإسلام، هي
التعارف والتعاضد بين الشعوب لتأدية وظيفة الاستخلاف
والإعمار في الأرض على أفضل وجه:)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ (13)(
(الحجرات).
4- مقومات فسلفة التربية في عصر العولمة
إن فلسفة التربية الرشيدة المؤسسة على قيم
الدين وقواعد الأخلاق، مهما كانت طبيعتها في الإستجابة
لدواعي العصر وتحديات العولمة، فإنها تقوم على المقومات
التالية:
4/1 مقومات فلسفة التربية من منظور عقدي
فكري
إن أهم مقوم لفلسفة التربية من منظور عقدى
كونها منبثقة عن الرؤية الإسلامية الكلية للكون والإنسان
والحياة. وفي هذا الصدد ينبغي التمييز بين القيم الدينية
الأساسية التي تضمنتها نصوص الكتاب والسنة، وبين الصور
التطبيقية التي أملتها الظروف عبر التاريخ. أي الإعتماد
على النص المنـزل في تحديد قوام فلسفتنا التربوية، مع
الاستهداء بآراء السابقين من علماء الأمة والتراث الإنساني
بصورة عامة.
ومن مقومات فلسفة التربية من المنظور
الإسلامي، ضرورة التنمية العقلية لتكون الموضوعية والعليمة
هما معيار التعامل في المعارف، لا العواطف والنظرات
العابرة ولا الحشو بالمعارف الباطلة والمعلومات الزائفة
التي تجود بها أكثر وسائل الإعلام المغرضة في عصر العولمة.
ومن أهم متطلبات التنمية العقلية،
تحرير العقل المسلم من الجمود الفكري والتقليد الأعمى.
وكذلك تحريره من الهوى والغرور المعرفي، وتخليصه من
التبعية العمياء مع بثّ روح النقد والتفكر والتمحيص في
تبيان الحق والعمل به.
)
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ
وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ(18)(
(الزمر).
من أهم غايات تنمية العقل وفق المنظور
الإسلامي ترسيخ المفاهيم الإيمانية في القلب، ولا سيما
فكرة التوحيد، ليتكامل العقل والنقل في ترشيد جهد الإنسان
في حمل أمانة الاستخلاف لينال رضي الله تعالى والسعادة في
الدارين. فإن كان العقل هو وسيلة الإنسان للإدراك وطلب
الأسباب، فإن الوحي
)
يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
(،
وذلك بالتكميل المعرفي لإدراكات الإنسان الجزئية القاصرة
بالمدركات والمعارف الكلية عن الوجود: علته وغايته ثم
مصيره. وبالبيان الذي جاء به الوحي وبتحديد مهمة الإنسان
بالخلافة في الأرض بالعبادة التعمير، تكتمل أركان مسؤوليته
في الدارين:)
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9) وَأَنَّ
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا(10)
(
( الإسراء).
فإذا استقامت مناهج الفكر والبحث
والنظر على الرؤية الكلية للإسلام وقامت مناشط المجتمع على
عقيدة التوحيد النقية من ضلالات الشرك والخرافات، كما
يقررها القرآن، عندئذٍ تستقيم فلسفتنا التربوية علىصراط
الإسلام، فيتم وضع مناهج التربية والتعليم والسياسات
التربوية على مقتضاها ويتم تجاوز تحديات العولمة بإطمئنان
وسلام.
4/2 مقومات فسلفة التربية من منظور أخلاقي
قيمي
إن العولمة ليست معنية بالجوانب
المادية للحياة فحسب وإنما معنية أيضاً بالجوانب القيمية
والخُلقية. فباسم الحرية ووالتحرر صار كل شيء ممكناً في
عصر العولمة، وصار تدمير الأخلاق والقيم هدفاً مقصوداً في
بعض المجتمعات، فمعاني الزواج والأسرة باتت في مهب الريح.
فهي في أكثر الأحوال لا تعني أكثر من سوى شخصين يعيشان
معاً كيف ما اتفق، لا يهم أ ذكرين كانا أم انثيين، دون أي
اهتمام بالعلاقة المقدسة التي أقرها الشرائع السماوية بين
الذكر والأنثى لبناء الإنسان وتنشئة الأجيال، وهي العلاقة
التي بقيت محفوظة بالفطرة الإنسانية السوية عبر التاريخ
لتبقى بها حياة البشرية مصونة من الأذى و جنسها محفوظة من
الفناء والإنقراض.
فأهم مقوم لفلسفة التربية من منظور أخلاقي
هو التمسك بقيم وحي السماء وسنن الفطرة السوية وبناء
المناهج التربوية عليها، مهما كانت مغريات العولمة
وتحدياتها، إذ بدون ذلك تكتب البشرية نهايتها بنفسها إذا
تبعت تهاورات العولمة في هذا المجال، وكفى عبرة ما جاء في
القرآن من قصص الأولين في هذا الشأن.
4/3 مقومات فلسفة التربية من منظور علمي
معرفي
من أهم مقومات فلسفة التربية في عصر
العلومة، توحيد الرؤية بين المعارف الدينية الكونية
المقتبسة من الوحي الإلهي، والمعارف الإنسانية المستخلصة
من التجربة الإنسانية في كل مجالاتها عبر الزمان والمكان،
ليحصل بذلك النقلة المنهجية المطلوبة ويتم الدمج والتكامل
بين المعارف (Integration
of Knowledge)
وينضط العلم بالشرعة والأخلاق.
وإذا أردنا لفلسفة التربية أن تؤتي ثمرتها، وأن تمثل
منهجاً كلياً في مجال العلوم يتكامل مع المنهجيات الجزئية؛
فلابد من النظر الدقيق في مناهجنا التربوية، ولا سيما
المحتوى المعرفي لمناهج الدراسات الإسلامية بشأن مجالات
الحياة لتجمع إلى جانب الكلي والجزئي جانب النص، كما تضم
إلى جانب نفائس التراث جانب المعارف الإنسانية في الطبائع
والسنن الكونية: مناهجها وثمرات دراساتها العلمية
والتجريبية في الزمان والمكان، لأنه دون هذا الجمع
والتوحيد والتلاقح لا يسهل الافادة المنهجية من كليات هدى
الدين في توجيه مناشط الحياة ومؤسساتها وخطة عمرانها بشكل
فعاّل ومؤثر.
ينتقد أحد المفكرين، منهجية التربية والتعليم في
العالم الإسلامي فيقوله:( إن تشوه الرؤية الكلية الإسلامية
قد أسهم في تكوين ثقافة وأدبيات فقهية تربوية فردية سلبية،
كما أن العزلة الاجتماعية والفكر النظري أسهما بدورهما في
تكوين عقلية نقلية ذات منهجية جزئية صبغت التربية والتعليم
بطغيان الجانب المعلوماتي النصي المبني على الاستظهار
والمتابعة والتقليد. هذا العجز المعرفي أورث بدوره مناهج
التربية عدم القدرة المنهجية على السبر العلمي لأغوار
الجانب النفسي والعناية التربوية في بناء الكيان النفسي
والوجداني للناشئة وتمكينهم من تملك ناصية القدرة على
الأداء الإيجابي وتنمية قدراتهم الإبداعية الحضارية).
4/4 مقومات فلسفة التربية من منظور اجتماعي
إن القوة المهيمنة على (العولمة) حتى الآن
إنما تتصرف في القدرات الاجتماعية للأمم وتوجهها لصالحها
لأنها مدركة لطبيعة هذه الشعوب من خلال الدراسات النفسية
والاجتماعية العميقة (Socio-
Psychology Studies)
التي سبقت الغزو الفكري والعسكري لهؤلاء الشعوب. وحينما
تجد المخططات الأجنبية سبيلها إلى مجتمع ما افتقدته حصانة
إيمانه ومعتقداته، فيصبح عرضة لفقدان الهوية والضياع.
لأنها تفسد معاني الأسرة والعائلة والقيم الأخلاقية التي
تثبتها في قلوب النشء، وتحرّف معاني المدرسة والمعلم وكافة
مصادر بناء الشخصية السوية القائمة على القيم عبر التربية
التي للمعلم فيها دور رسولي، كما قال أمير الشعراء أحمد
شوقي: كاد المعلم أن يكون رسولاً.
ومرعاة لهذا الجانب، يصبح من أهم
مقومات فلسفة التربية من المنظور الاجتماعي أن تتم الإجابة
على الأسئلة التربوية التقليدية المعروفة: لماذا نعلم ؟
وماذا نعلم ؟ وكيف نعلم، أن تتم الإجابة على هذه التساؤلات
بحيث تتجه الإجابة إلى تحديد أهداف وفق الرؤية الإسلامية
الكلية، بحيث لا تتعارض تلك الأهداف مع مكونات هوية الأمة
الأساسية وذاتيتها الإسلامية وتعميق ذلك في أذهان النشء.
إذن فلسفة التربية في عصر العولمة ينبغي أن
تتجه إلى تثبيت القيم الإسلامية في صلب الأهداف التربوية
ومناهجها، وإلى تكييف كل المعارف العلمية المختلفة لتكون
مواكبة لتلك القيم التي تشكل جوانب الثبات التي تنشأ عليها
الأجيال، مهما اختلفت السياسات التربوية.
من أهم نتائج البحث
يمكن تلخيص أهم نتائج هذا البحث في نقطتين:
الأولى: إن فلسفة التربية لكي تكون قادرة
على مواجهة تحديات العولمة لابد أن تكون قائمة على الرؤية
الكلية للإسلام، مراعية في ذلك طبيعة هذا الدين في قدرته
على استيعاب الثقافات الأخرى وهضمها وتمثلها. فدور الإسلام
في عصر العولمة دور كبير إذا عمل المسلمون لها.
قال أحد كبار أساتذة الإسلاميات في
أمريكا، وهو شارلس قيدر (Charles
L. Gedder):
(إن الإسلام يملك جميع الخصائص التي يستطيع أن تنشر السلام
والانسجام في العالم. إن الغرب يؤمل من المسلمين الذين
يحملون الدين الذي أنزله الله، وكان لهم ماضٍ مجيد مشرق،
أن يقدموا مبادئ الحياة وفلسفتها إلى الغرب وبذلك يستطيعون
أن يحملوا رأية السلام التي عُنيت لهم في عالم الغد).
إذن فقد آن الأوان لإظهار هذا الجانب
العالمي للإسلام، ولذلك عندما نتحدث عن أولويات التربية في
عصر العولمة، بعيداً عن العواطف والإنطباعات الذايتة، يجب
أن تذكر طبيعة هذا الدين العالمي الشامل وعناصر حركته
وديناميته، بصرف النظر عن حال المسلمين وما عليهم من
انحطاط الآن.
يقول العالم الشهير جورج برنارد شو (George
Bernard Shaw)
في كتابه الإسلام الصحيح (The
Genuine Islam)،
وهو يلاحظ بنظرة الدقيقة الطبيعة العالمية للإسلام:
(كنت أرى دائماً أن دين محمد-صلىالله عليه
وسلم- على قدر عالٍ من التقدير، نظراً لحيويته الفائقة.
فهو الدين الوحيد الذي يظهر لي إنه يمتلك قدرة عالية للهضم
والتمثل وتغيير وجه الحياة، مما يجعله ديناً ملائماً لكل
العصور والأزمان. فقد درست هذا الرجل العجيب- يقصد الرسول
صلىالله عليه وسلم - فوجدته بعيداً كل البعد عن أن يكون
عدواً للمسيح-عليه السلام-، فهو حتماً يدعو لإنقاذ
البشرية. وأنا على يقين من أن رجلاً مثله إذا صار حاكماً
مستبداً لعصرنا هذا سوف يتمكن من حلّ كل مشاكله بطريقة
تجلب السلام والسعادة إلى حد بعيد. وكنت أتوقع دائماً أن
عقيدة محمد سوف تكون مقبولة للعالم الغربي في الغد كما هي
في اتجهاها إلى القبول اليوم).
(I have always held
the religion of Muhammad in high estimation because of
its wonderful vitality. It is the only religion, which
appears to me to possess that assimilating capacity to
the changing phase of existence, which can make itself
appeal to every age. I have studied him, the wonderful
man, and in my opinion far from being an anti-Christ he
must be called the Savior of Humanity. I have that if a
man like him were to assume the dictatorship of the
modern world, he would succeed in solving its problems
in a way that would bring it much-needed peace and
happiness: I have prophesied about the faith of Muhammad
that it would be acceptable to the Europe of tomorrow as
it is beginning to be acceptable to Europe of today)
النقطة الثانية: إن من أهم أولويات
التربية عصر العولمة، ضرورة توحيد صف الأمة. لأن الرسول
صلىالله عليه وسلم في منهجه التربوي الفريد، قد سعى إلى
تربية الأمة من خلال تأليف القلوب أولاً، وهو خطوة في
الاتجاه الصحيح في التربية ، لذلك وجدت دعماً إلهياً
مباشرة:)
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ
أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ
مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103)(
(آل عمران).
)..
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ(62)
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي
الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ(63)(
(الأنفال).
إن وحدة الأمة من أولويات التربية
لأنها حين يتصارع الناس حول المنافع العاجلة والمصالح
الدنيوية الفانية باسم الدين فإن الإيمان ينسلخ عن القلوب،
وتفقد الرسالة السماوية قيمها ومعانيها ودورها في تربية
الأمة، فتشيع الفتن والقيم المناقضة للدين.
أما هم التوصيات للمؤتمر فيتلخص في الآتي:
1- بثّ الوعي الثقافي بحقائق العصر
ومعطياته في النشء، وإدراك دور وسائل الإعلام في العملية
التربوية.
2- السعي لبناء وعي تربوي شامل لوحدة
الأمة، مع ضرورة الإنفتاح على العالم وعدم التقوقع
والانكفاف على الذات.
3- الإهتمام برعاية المنظمات الشبابية، وكل
المنافذ التربوية، كالمسجد والأسرة وغيرها.
4- تنمية روح التسامح في النشء وفي المجتمع
ورفض التعصب الأعمى.
5- إبداء المرونة الكافية في سياسة التعامل
مع معطيات العولمة وإفرازاتها وتحدياتها، وتفادي المواجهات
السافرة.
مراجع البحث
أولاً: المراجع العربية
1- الشيباني، عمر محمد التومي: فلسفة
التربية الإسلامية، المنشأ العامة للنشر (طرابلس-ليبيا
1985 ) ط5.
2-الأسمر، أحمد رجب: فلسفة التربية في
الإسلام، دار الفرقان (عمان-الأردن 1997).
3- الجمالي ، محمد فاضل: نحو توحيد
الفكر التربوي في العالم الإسلامي ، الدار التونسية (
تونس 1972 ).
4-على، سعيد إسماعيل: الأصول الفلسفية
للتربية، دار الفكر العربي ( القاهرة 2000).
6- الإستراتيجية الثقافية للعالم
الإسلامي، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم
والثقافة (رباط- المغرب 1997).
5-كريم، محمد أحمد: بحوث ودراسات في
التربية، عالم المعرفة ( جدة 1983) ط1.
بحوث مؤتمر المناهج التربوية والتعليمية في
ظل الفسلفة الإسلامية والفلسفة الحديثة
المنعقد بالقاهرة 29- 31 يوليو 1990.
7- بحوث المؤتمر التربوي الإسلامي
الثاني المنعقد في لبنان من قبل معهد طرابلس الجامعي
للدراسات الإسلامية ( طرابلس – لبنان 1993 ).
ثانياً: مراجع باللغة الإنجليزية
*-
The
Globalization Reader,
ed. by: Frank J. Lenchner & John Boli. Blackwell
Publishers 2000.
*-Jan Aart Scholte,
Globalization: a critical introduction,
Macmillan press)
London 2000(.
*- The
Globalization Transformations Reader, ed. by:
David Held & Anthony McGrew, Polity Press ( Cambridge UK
2001).
*-Mahathir Mohammad,
Globalization & the new relations:
collected speeches, ed. by: Hashim Makaruddin ( Kuala
Lumpur 2002)
*- al-Turabi,
Abdullah Hassan, Islam as pan-national Movement
and National State, Muslim Youth Movement
Malaysia ( K.L 1992 )
الملاحظ أن هذه المفاهيم قد تكسرت حدتها- في
الظاهر- بعد أحداث الحادي عشر من سبتمير، ولا سيما
في حركة رؤوس الأموال والأفراد، ولكن في الواقع
النتيجة تصبُّ في نفس المخطط، إذ لا تمس كل تلك
الإجراءات إلا من يصفه الخصم بـ(الإرهاب).