الرئيسية
نبذه عن موقع منبر التربية
نبذه عن المملكة العربية السعودية
وثيقة سياسة التعليم
السيرة الذاتية للمشرف العام
من مداد القلم
إصدارات تربوية
صاحب مكارم الأخلاق
دراسات
 
مجالات تربوية
شرف العلم وفضله
الإسلام والتربية
مفهوم التربية
التوجيه والإرشاد
التأصيل الإسلامي لعلم النفس
المربي المسلم
العمل بالعلم
الفكر الإسلامي التربوي
التعليم في المملكة العربية السعودية
نظريات تربوية
مستقبل التعليم في السعودية
موضوعات مقترحه للبحث والدراسة
أسلمه المعرفة
 
المعلومات والخدمات
اتصل بنا
 
مواقع تعليمية وتربوية
الإدارة العامة للتخطيط والسياسات
وزارة التعليم العالي
منتديات وزارة التربية والتعليم
البوابة التعليمية
مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم العام
الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية
ملتقى التخطيط التربوي
صحيفة التعليم العربي
المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم
المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة
المجلس الدولي للغة العربية
مجلة المعرفة
مجلة جامعة أم القرى للعلوم التربوية
مجلة العلوم التربوية والنفسية البحرين
قاعة (النظم) التربوية
التنظيمات التربوية
مركز القطان للبحث والتطوير التربوي
 

 

الفكر التربوي عند   ابن عبد البر القرطبي ، وابن جماعة  - رحمهما الله -

 

الباحث حسن بن معمس بن يحيى عسيري

 

 

                                                                                                                                                                                                

الإهداء

إلى من وهبت وقتها رهن إشارة زوجها

ولم تنطق بضياعه

لأنها تعلم أن ما كان لله يبقى

وأن العلم باب من أبواب الجهاد

إلى زوجتي الغالية

 

الفهرس :

الموضوع

ابن عبدربه القرطبي

نشأته

إطلالة على كتابه جامع بيان العلم وفضله

الفكر التربوي عند ابن عبد البر

مفهوم العلم وأهدافه

المعلم والمتعلم

رسالة للمعلم من ابن عبدالبر

المنهج وطريقة التدريس

نشر العلم

الإنفاق والأجر على التعليم

تصنيف العلوم

ابن جماعة الكناني

اسمه ونسبه – مولده ووفاته – نشأته – دراسته وطلبه للعلم – شيوخه – تلاميذه

أعماله – مؤلفاته ونتاجه الفكري

الفكر التربوي عند ابن جماعة الكناني

إطلالة على كتابه ( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم )

في فضل العلم والعلماء وفضل تعليمه وتعلمه

أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه

في أدب العالم في نفسه

في آداب العالم في درسه

تفي أدب العالم مع طلبته مطلقًا وفي حلقه

في آداب المتعلم

في آدابه في نفسه

في ادبه مع شيخه وقدوته ومايجب عليه من عظيم حرمته .

في آدابه في درسه وقراءته في الحلقة ومع من يعتمده فيها مع الشيخ والرفقة .

في الأدب مع الكتب التي هي آلة العلم

في آداب سكن المدارس للمنتهي الطالب

 المقدمة :

    الحمد لله الواحد القهار ، العالم بخفيات الأسرار ، الذي أرسل إلينا رسولاً من أطاعه دخل الجنة ، ومن عصاه دخل النار ، أحمده على آلائه الغزار ، وأرجوه مغفرة أبلغ بها منازل الأخيار ، والصلاة والسلام على نبيه المختار ، محمد بن عبدالله رسول العالمين ، وقائد الغر المحجلين ، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعنا معهم بعفوك كرمك يا أرحم الراحمين .                                                                                 وبعد

    فالإسلام دين الخير والرحمة ، ودين الحب والمودة ، ودين الوسطية والحرية ، يعطي العقل حرية التفكير ولا يحجب عنه الحقيقة  بالتلبيس  ، يرفع من شأن العلماء ، ويدعو أهل الجهل بالتعلم والتعليم ، من تدبر في حقيقته وجد ضالته ، ومن أعرض عنه تخبط في ضلال وتعتيم . وقد أشرق على هذه الأرض معلم الأمة وقائدها ومربيها بعدما طغت الظلمة وعاثت الوثنية ، فعاش الناس من بعده حياة هنية ، وتفتحت عقول البشرية لتجد أن ما قاله حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم هي دعامة الحياة " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنتي " فعاش الناس متمسكون بهما ، وظهر منهم علماء معلمون أهل فكر وتدبر ، فأعانوا الناس  على أمور دينهم ، وأوضحوا آيات الإسلام بفكرهم ، فأصبحوا أعلامًا  للتربية الإسلامية ، لهم رأي فيها ، ونظريات تجاهها ، فاتفقوا في أصول الإسلام ، واختلفوا في فروعه ، فكان ذلك رحمة للناس ، وتيسيرًا لهم ، وهم بذلك أظهروا ما للدين من مرونة في التعامل ، وأصالة في الجذور ، واهتمامًا بحقوق الفرد والجماعة فيه ؛  من أجل ذلك آثرت أن أبحث في فكر بعض هؤلاء العلماء ما توجوا به تربيتنا الإسلامية من فكر تربوي   ،  بعدما أستعرض حياة كل عالم من مولده حتى وفاته ، رحمهم الله جميعًا وعفا عنهم  وأسكنهم فسيح جناته .

        سائلاً المولى جلَّ في علاه أن يجعل ما أكتبه في ميزان حسناتي ، وأن يبعد عنَّا كيد الكائدين ، وباعثي سم التخريب في عقول شبابنا ، وناشري الرذيلة والخراب في مجتمعنا ، إنه ولينا ونعم النصير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على رسولنا الكريم .

 أهمية البحث :

     يستمد هذا البحث أهميته من أهمية ما نشعر به من ارتباط ديننا بحياتنا ، حيث الدين والدنيا لدينا وجهان لعملة واحدة ، فلا فاصل بينهما ، والمدد من تشريعاته ، وصوغها بشكل يناسب المجتمع ، من المسؤوليات الملقاة على عاتق علمائنا المسلمين المتقدمين منهم والمتأخرين ، وقد زخرت الأمة الإسلامية بمفكرين تربويين كانت لهم آراء وأفكار تربوية محورها القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف ، فصبغوها باجتهاداتهم ، وآرائهم التي توصلوا إليها من خلال خبراتهم الحياتية الممزوجة بنور العلم والتفكر ودراسة النتاج التربوية لهؤلاء العلماء من الأهمية بمكان ، ليس كما يظن البعض بأنه تاريخ ماضٍ ، فهو كالقنديل في الظلام الحالك ، ينير درب المربين عند إسدال أستار الظلام .

    وقد اخترت في هذا البحث الفكر التربوي عند كل من ( ابن عبد البر القرطبي - رحمه الله - ) من خلال كتابه ( جامع بيان العلم وفضله ) و( ابن جماعة – رحمه الله - ) من خلال كتابه   ( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ) . وهذين العالمين يصنفان من علماء التربية الإسلامية  في عصور       الإزدهار و لأن علماءنا يستحقون تخليد ذكراهم ، ودراسة أفكارهم التربوية ، والاستفادة منها كما فعل  غيرنا من الأمم ، فالصينيون خلدوا كنفوشيوس   ( 511ق.م – 478ق.م ) و لاوتسى ، واليونان خلدوا ( صولون ، وأرسطو، وسقراط ، وكزينوفون ) ، وخلد الرومان( كوانتليان ، وسنكا ، وفلوطاخس) كل ذلك في التربية القديمة ، أما الغربية في العصور المسيحية القديمة والوسطى فخلدوا ( القديس جيروم ، و آلكوين ) ، و في عصر النهضة وحتى القرن الثامن عشر الميلادي خلدوا ( مارتن لوثر ، وفرنسيس بيكون ، ورابليه ، ومنتايني  ، وإيراسموس ، وغيرهم الكثير ) وفي العصر الحديث خلدوا ( دور كايم ، وهربرت سبنسر ، وغيرهم الكثير ) .

     لذلك كان لازمًا علي بما أنني طالب علم مسلم أن أصنع شرفة تطل على حديقتين جميلتين تحوي ثمار التربية كما يراها علماؤنا المربين المسلمين ، لأستفيد منها أولاً ولأفيد غيري ثانيًا، ولنُري أن الفكر التربوي الإسلامي  منذ بعثة رسولنا صلى الله عليه وسلم  إلى يومنا الحاضر نهرًا جاريًا غير راكد يستفيد منه القاصي والداني ، متجدد بما يتطلبه المجتمع الإسلامي .

     يقول الدكتور عبدالغني عبود (1) : " وقد كان أول كتاب ظهر في الفكر التربوي مستقلاً بذاته مستقلاً عن الأدب والمدارس الفكرية والفلسفية  كتاب محمد ابن سحنون المتوفي سنة 256هـ ( أدب المعلمين ) ، ثم ألف القابسي في القرن الرابع الهجري كتاب ( المفصلة لأحوال المتعلمين ، وأحكام المعلمين والمتعلمين ) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبدالغني عبود ؛ في التربية الإسلامية ؛القاهرة ؛ دار الفكر العربي ؛ ط1 ، 1977، ص 129-130 بتصرف

     ثم ظهر كتاب ( تهذيب الأخلاق ، وتطهير الأعراق ) لأحمد بن مسكويه المتوفي سنة ( 421هـ ) وأصدر ابن عبدالبر القرطبي المتوفي سنة ( 463هـ)  كتابه ( جامع بيان العلم وفضله ، وما ينبغي في روايته وحمله ) ، ثم أظهر برهان الدين الزرنوجي كتابه (تعليم المتعلم طريقة التعلم ) ، وظلت المؤلفات الإسلامية الخاصة بالتربية صغيرة الحجم محدودة حتى جاء العلامة ابن خلدون في القرن الثامن الهجري فألف مقدمته الشهيرة (مقدمة ابن خلدون ) " ، فظهور كتاب مستقل في التربية وبين مجموعة كتب ، يجعله جدير بالدراسة والتمعن ، لاسيما اختيار ما يتناسب مع عصرنا منه ، ومناقشة النظرة التربوية التي ناسبت ذاك العصر ، ومدى دقتها في اختيار معايير التربية عند العالم في كتابه .      أما كتاب ابن جماعة – رحمه الله -   ( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ) فإننا نجد أنه اهتم بالمعلم والمتعلم وطرق التدريس وغيرها من الأمور التربوية ، وقد وضع لنا فكرَهُ تجاهها وقد قال عنه الدكتور أحمد الحمد في كتابه (1) أن لابن عبدالبر – رحمه الله – آراء سديدة ، يجدها الدارس مبثوثة في مؤلفاته المتعددة ، وهي تنم عن شخصية تربوية عظيمة ، لها نظرات ثاقبة وأفكار نيرة في ميدان التربية وتلقي العلم ، وقد يــدهش المرء عنــــدما يجد أن معظم تلك الأفكــــــار تتوافق مع ما وصلـــــت إليه التربية  الحديثة في عالم اليوم . .

أهداف  البحث :

1- التعريف بأهمية البحث في الفكر التربوي الإسلامي على مر العصور .

2- التعرف على نتاج الفكر التربوي عند ابن عبدالبر القرطبي الأندلسي من خلال كتابه ( جامع بيان العلم وفضله )  .

3- التعرف على نتاج الفكر التربوي عند ابن جماعة من خلال كتابه ( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم )

4- بيان مدى مطابقة الفكر التربوي لدى ابن عبدالبر وابن جماعة في وقتنا الحاضر . 

تساؤلات   البحث :

1- هل هناك أهمية للبحث في الفكر التربوي الإسلامي على مر العصور  ؟

2- ما الفكر التربوي عند ابن عبرالبر من خلال كتابه ( جامع بيان العلم وفضله ) ؟

3- ما الفكر التربوي عند ابن جماعة من خلال كتابه ( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم )؟

4- ما مدى مطابقة الفكر التربوي لدى ابن عبدالبر وابن جماعة في وقتنا الحاضر ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      أحمد الحمد ، التربية الإسلامية ، دار إشبيلية ، الرياض ، ط1 ، 2002م ، ص 320

حدود البحث :

 اقتصر هذا البحث في دراسة الفكر التربوي لدى عالمين من علماء التربية الإسلامية في العصر العباسي وهما:

1- ابن عبدالبر القرطبي  368 هــ/ 463هـ  وقد عاش في الأندلس وكانت للظروف السياسية التي تعرضت لها قرطبة والأندلس وقتل فيها بعض أصدقاء ابن عبدالبر من علماء الأندلس أثر فيه قد جعلته يغادرة قرطبة ويتنقل بين غرب الأندلس وشرقها .

2- ابن جماعة 639هـ / 733هـ ، درس وهو صغيرًا في حماة ، ثم قدم إلى دمشق وكانت آنذاك محج العلماء وطلب العلم ، ثــم ارتحل إلى القاهر بمصر وتوفي فيها . 

 مصطلحات  البحث :

   بما أن البحث هو عن الفكر التربوي لدى عالمين من علماء التربية المسلمين في عصور الإزدهار ، فليس هناك مصطلح فيما يراه الباحث قد يشكل على القارئ ، وما كان من ذلك فقد أوضح إما أسفل كل صفحة برقم ، أو بين شرطتين .

 إجراءات سير  البحث :

 أولاُ : كتابة نبذة متكاملة عن حياة العالم التربوي منذ ولادته حتى وفاته تحوي على :

  ( اسمه ونسبه ، ونشأته ، شيوخه ، تلامذته ، مؤلفاته ونتاجه الفكري ، أعماله ، ظروف حياته ، وفاته )

ثانيًا : تحديد الكتاب الذي أشتهر به في المجال التربوي ،ودراسة ذلك الكتاب من خلال :

( عنوانه ، محتواه  من فصول وأبواب ، مناقشة جزيئات من هذا الكتاب ، ذكر بعض آراء الدارسين حول الكتاب ، الإشارة إلى مواطن الفكر التربوي فيه  ) .

ثالثًا : توضيح لبعض  محتويات الأفكار التربوية المتعلقة بالعالم والمتعلم  برسوم  توضيحية .

رابعًا : إسقاط الآراء التربوية على وقتنا المعاصر ، والحكم على مدى فعالية تلك الآراء لمشاكل التربية والتعليم الآن .

خامسًا : تقديم النتائج المتوصل إليها من خلال البحث ، والتوصيات و المقترحات ، والخاتمة.

ابن جماعة 639هـ - 733هـ

اسمه ونسبه :

   هو قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني (1)

مولده ووفاته :

 ولد في حماة سنة 639هـ وتوفي بالقاهرة سنة 733هـ بعد الشيخ الإمام أبي إسحاق أن أكمل من عمره 94عامًا.(2)

نشأته :

   نشأ في بيت علم وزهد في كنف أبيه إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني ، وكان والده من كبار الصالحين ، وأسرته من أعرق أسر مدينة حماة التي خدم رجالُها الدين والعلم والقضاء .(3)

دراسته وطلبه للعلم :

     درس وهو صغيرًا في حماة ، ثم قدم إلى دمشق وكانت آنذاك محج العلماء وطلب العلم ، ثــم ارتحل إلى القاهر بمصر وأخذ أكثر علومه هناك من مشائخها ، " كان قوي المشاركة في فنون الحديث ، عارفًا بالتفسير والفقه وأصوله ذكيا يقضًا متفننًا مفسرًَا ، اشتغل بعلوم كثيرة وذاع فضله حتى صار إمامًا لا ينازع في إمامتـه ، وعالمًا يوثـق في

علمه وخطيبًا مفوهًا خطب في المسجد الأقصى بالقدس والمسجد الأموي بدمشق ، والجامع الأزهر بمصر " (4)  

شيوخـه: (5)

      شيوخ بدر الدين بن جماعة كثيرون وقد بلغ عددهم في مشيخته التي خرّجها البرزالي أربعاً وسبعين شيخاً منهم امرأة واحدة

ومن أشهرهم:

      تقي الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين بن رزبن المتوفى سنة 680 هـ ومعين الدين أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي المتوفى سنة 667هـ وزين الدين أبي الطاهر إسماعيل بن عبد القوي ابن أبي العز بن عزون( ت667 هـ) وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الإمام اللغوي المشهور المتوفى سنة 672 هـ.

تلاميـذه: (6)

      من أبرز تلاميذ بدر الدين بن جماعة:

   الإِمام الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان المتوفى سنة 748 هـ.

   وابن جابر المغربي: محمد بن جابر الوادي آشي المتوفى سنة 749 هـ.

  والسبكي: عبد الوهاب بن علي المتوفى سنة 771 هـ.

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

(1) أبو الفداء الحافظ بن كثير ، البداية والنهاية ، ج14، بيروت ، مكتبة المعارف ،1966م ، ص163.

(2) أبو الفداء الحافظ بن كثير ،  المصدر السابق .

(3) أبو الفداء الحافظ بن كثير ، المصدر السابق .

(4) شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني ، الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة ، ج3، القاهرة ، دار الكتب الحديثة ، 1967م، ص 367

 (5) تنقيح المناظرة في تصحيح المخابرة ، تأليف محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة المتوفى سنة 733 هـ، تحقيق ودراسة د. عبد السلام بن سالم بن رجاء السحيمي ،  www.almeshkat.com

 (6) تنقيح المناظرة في تصحيح المخابرة ، المصدر السابق .  

أعماله :

         عُرف عنه رحمه الله مهارته في إنشاء المدارس وتأسيسها على قواعد متينة ، والإشراف عليها بأساليب مبتكرة  وشهد له العلماء بإتقان التدريس وامتلاك وإجادة مهاراته ، وعرف بالخصال الحميدة والصفات الجميلة التي يحتاجها المعلمون في تعليمهم ، وهو بذلك كان بحق رجل تربية وتعليم كما يطلق عليه الآن .
1- أسند إليه قضاء الشافعية بالقدس عام 687هـ ،

2- نُقل إلى قضاء الديار المصرية سنة 690هـ .
3- تنقل بين قضاء الشافعية بالقدس وقضاء الديار المصرية بين عامي 703هـ 709هـ .

4- عُزل عن القضاء ثم أُعيد سنة 710هـ .

    " ويقال أقام مدة بعد أن أصيب بالعمى يباشر القضاء وهو منقطع في منزله (1) " لذلك لُقب بقاضي القضاة .

    وقد لقب بشيخ المحدثين ؛ وذلك لضلوعه في علم الحديث النبوي ، ودوره في تدريسه وإملائه والتأليف فيه . ولحسن تأليفه وتحريره للمسائل لُقب بشيخ المحققين (2) .

مؤلفاته ونتاج فكره :

     يقول حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عن أساس الكتب والفنون (3)  : " كان ابن جماعة كثير التأليف في عديد من المعارف من أهم مؤلفاته :

1-  تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم .

2-  المختصر في علم الحديث .

3-  كتاب المسالك في علم المناسك .

4-  المنهل الروي في علم الحيث النبوي .

5-  كتاب المقتص في فوائد تكرير القصص .

6-  تحرير الأحكام في تدبير جيش الإسلام .

7-  تنقيح المناظرة في تصميم المخابرة .

8-  حجة السلوك في مهاداة السلوك .

9-  الطاعة في فضيلة صلاة الجماعة .

10-غرر التبيان في تفسير القرآن .

      وقد أورد الدكتور عبد السلام بن سالـــم بن رجاء السحيمي أستاذ مساعد بقسم الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ما قيل عن مؤلفات ابن جماعة من صحيحها والمشكوك في صحتها والمنسوبة له من خلال تحقيقه لكتاب (تنقيح المناظرة في تصميم المخابرة ) لابن جماعة، وهذا الكتاب موجود على موقع مكتبة مشكاة الإسلام  .  (http://www.almeshkat.com(  

------------------------------------------------------------------

 (1)  شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني ،المصدر السابق ، ص368.

(2) د. أمين أبو لاوي ، أصول التربية الإسلامية ، ط2002م ، ص297 .

(3) مصطفى بن عبدالله الشهير بحاجي خليفة ، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، بيروت ، منشورات مكتبة المثنى ، ص386-389.

 الفكر التربوي عند ابن جماعة :

  يجد الباحث أن آراء ابن جماعة التربوية والفكر التربوي عنده قد ظهر من خلال مؤلفه : (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ) وهو " كتاب جامع لما يجب أن يكون عليه العالم وطالب العلم من آداب الإسلام المستمدة من السنة النبوية الشريفة ، استعرض فيه التعليم عند المسلمين ، وما يتعلق بأسس التعليم والتعلم ، وهو من أفضل الكتب التربوية في التراث الإسلامي فيما يتعلق بأخلاق التدريس .

 ووصف الكتاب كما يلي  :

مقدمة

الباب الأول : في فضل العلم والعلماء وفضل تعليمه وتعلمه .

الباب الثاني : أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه .

الفصل الأول

في أدبه في نفسه .

الفصل الثاني

في آداب العالم في درسه .

الفصل الثالث

تفي أدب العالم مع طلبته مطلقًا وفي حلقه .

الباب الثالث : في آداب المتعلم .

الفصل الأول

في آدابه في نفسه .

الفصل الثاني

في ادبه مع شيخه وقدوته ومايجب عليه من عظيم حرمته .

الفصل الثالث

في آدابه في درسه وقراءته في الحلقة ومع من يعتمده فيها مع الشيخ والرفقة .

الباب الرابع   : في الأدب مع الكتب التي هي آلة العلم .

الباب الخامس : في آداب سكن المدارس للمنتهي الطالب .

 الباب الأول : فضل العلم والعلماء أو فضل التعليم والتعلم

      وقد ذكر  آيات كثيرة  وأحاديث نبوية   تشير إلى فضل العلم والعلماء ، والتعليم والتعلم ، ويريد من خلال هذا الباب التمهيد لما سيأت بعده ، وهو كأسلوب تهيئة ذهن القارئ لإقناعه بما يتوجب على الإنسان تجاه العلم والعلماء .    

       ثم أفرد فصلاً فيه عن النية ، تحدث من خلاله  إخلاص النية في طلب العلم والبعد عن الرياء والسمعة . وهذا الأمر الذي نفتقده في هذا الزمان بشكل ملحوظ ولا يعني ذلك أنه لا يوجد من يطلب العلم لله ، ولكن ليكن ديدننا ماكان لله بقى وما كان لغيره ذهب وانتفى .

 الباب الثاني : في أدب العالم في نفسه ومرعاة طالبه ودرسه .

      وقد  حوى هذا الباب على ثلاثة فصول : 1- أدب العالم مع نفسه .

                                                2- أدب العالم في درسه .

                                                3- أدب العالم مع طلبته مطلقًا ، في حلقته .

        أولاً :  أدب العالم مع نفسه :

     ذكر ابن جماعة آدابًا يتوجب على العالم تجاه نفسه ودرسه وطلبته وهذا الأمر ينبغي أن يتحلى بها كل معلم ومن تسلم زمام التعليم في وقتنا الحاضر مع مراعاة تغير الزمان وباستطاعتنا ذلك .والعالم هنا هو المعلم في وقتنا الحاضر 

     وقد حوى هذا الفصل بإثني عشر نوعًا كما ذكر ابن جماعة ، وهي كما يراها الباحث نصائح للمعلم تجاه نفسه وهي على النحو التالي  :

1-  دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلانية ، والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته ، وأقواله وأفعاله فإنه – أي العالم – أمين على ما أُودع من العلوم ، وما مُنح من الحواس والفهوم .  

    فلو اكتفى المعلم بمراقبة الله تعالى وخاصة في هذه الأيام لتحسنت أمور كثيرة . فمراقبة الله تجعله محافظًا على وقت الدرس ، محافظًا على تمامه ، عادلاً بين طلابه ، يعاملهم بالرحمة ، ناصحًا لهم وغير ذلك لمن يستحضر مراقبة الله له .

2-  أن يصونوا العلم كما صانه علماء السلف .

     وصيانة العلم له صور كثيرة ، فاطلاع المعلم ومراجعة مادته صيانة للعلم ، وكذلك تدوين ماهو جديد ، والإضافة على ماعنده بما يتعلق بمادته .

3-  أن يتخلَّق بالزهد في الدنيا والتقلل منها بقدر الإمكان الذي لايضر بنفسه وعياله ...

4-  أنْ ينزِّه علمَه عن جعله سُلَّمًا يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو مال أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقرانه .

        ولا يتعارض ذلك لمن أراد التميز ، أو الوظيفة اللائقة ، أو إكمال الدراسات العليا ، إنما يكفي المرء أن يبتعد عن النفاق والرياء في علمه ، وأن ينوي بذلك العلم وجه الله ، وأن يتخذ علمه سببًا لرفعة شأنه وليس لكبرياء نفسه وتعاليه .

5-  أن ينزهه عن دني المكاسب ورذيلها ، وعن مكروهها عادة وشرعًا ، كذلك يجتنب مواضع التهم وإن بعدت .

6-  أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام ، ,كذلك القيام بإظهار السنن وإهمال البدع .

            لأن المعلم قدوة ، وموضع احترام من طلابه ومجتمعه ، فهو في نظرهم متعلم مثقف ، لم يصل إلى هذه المرتبة والمكانة إلا بجد وتعب وسعة اطلاع ، فحبذا أن يعي معلمو هذا الزمان ذا الأمر ، وأن يولوه اهتمامهم ، فعين الطالب والمجتمع ناقدة وخاصة لمن يتولى أمور المسلمين .   

7-  أن يحافظ على الندوبات الشرعية القولية والفعلية .

8-  معاملة الناس بمكارم الأخلاق من طلاقة الوجه ، وإفشاء السلام ، وغيرها ...

9-  أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الرديًّة ، كالغل والحسد والبغي والغضب لغير الله تعالى ، ويَعْمُرُه بالأخلاق الرضيَّة . وأن يذكر أن علمه وفهمه وجودة ذهنه ، وفصاحته ، وغير ذلك من النعم والفضل من الله عليه وأمانة عنده ليرعاها حق رعايتها ..

10-دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد والمواظبة على وظائف الأوراد من العبادة ..

11-أن لا يستنكف أن يستفيد مالا يعلمه ممن هو دونه منصبًا أو نسبًا ، أو سنًا ، بل يكون حريصًا على الفائدة حيث كانت .

12- الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف ، لكن مع تمام الفضيلة وتمام الأهلية .

      ومما سبق يتضح لنا نظرة هذا العالم الجليل إلى ما يحب أن يكون عليه العالم ( المعلم ) تجاه نفسه فكما فضل الله العالم على الجاهل ووضع له منزلة ، يجب على العالم أن يكون عند حُسن الظن ، وهذه الأمور يراها ابن جماعة بأنها مقياس للعالم في نفسه  أنَّا طبقها كان ذلك نجاحًا له ، وعلى هذه الأمور لو وضع المعلم  أداة تقييم له ليرى هل تححق أدبه مع نفسه على رأي ابن جماعة فإنها قد تكون على الشكل التالي كما يراها الباحث  :

 

السؤال

الإجابة

س1/ هل أنا أراقب الله في سري وعلني ؟

 

س2/ هل أنا محافظ على العلم الذي عندي ؟

 

س3/ هل أنا معتدل في خيرات هذه الدنيا ؟

 

س4/ هل كان علمي لأمور الدنيا فقط ؟

 

س5/ هل أنا قدوة لطلابي ومجتمعي ؟

 

س6/ هل أحب للناس ما أحبه لنفسي ؟

 

س7/ هل أنا مجتهد في حق عملي ؟ وحق ربي ؟

 

س8/ هل استحيي أن أطلب العلم ممن هو أقل مني ؟

 

س9/ هل استفدت من تدريسي فأبدعت بتأليف ما ينفع غيري ؟

 

ثانيًا : أدب العالم في درسه .

     وفي هذا الفصل يذكر ابن جماعة رحمه الله ما يجب على العالم المعلم تجاه درسه الذي سيعلمه لطلابه والناس وهي شبيهة بالخطة التي يضعها المعلم لأداء درسه ، وما يتوجب عليه في إعداده لها ، وقد أورد اثني عشر نوعًا كما ذكر في كتابه ، وحري بالكل اتباع ذلك ما أمكن ، فالدرس علم نافع ، ولايستهان بالعلم فربما إعداد كشف لمعلم خطأً جسيمًا ، وغلطًا فضيعًا ، وضعفًا ملحوظًا ، إما في معلومة أو أسلوب ، ومما يستهين به معلموهذا الزمان الإعداد الكتابي والنفسي قبل دخول الفصول ، بحجة العلم بالدرس والموضوع ، وقد أُثبت فشل ذلك المعلم بالتجربة والملاحظة ، إلا في القليل ، ومع الأسف جر القليل الكثير ، ومدارسنا تشهد بذلك .

          والآداب التي أوردها ابن جماعة للعالم تجاه درسه كما يلي :     

1- إذا عزم على مجلس التدريس، تطهر من الحدث والخبث وتنظف وتطيب ولبس من أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه، قاصداً بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة. كان مالك رضي الله عنه إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثياباً جدداً، ووضع رداءه على رأسه ثم يجلس على منصة فلا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ .

     فما للناس إلا ما ظهر ، فجمال المنظر يوحي للمتلقي بالراحة كما يقول علماء النفس ، ومن يهمنا في هذا الجانب هم أولئك الطلاب الذين يتلقون من معلميهم العلم ، ولذلك نجد أن من تقييم المعلم بند يسمى ( المظهر الخارجي) وله درجة خاصة به ، فكما لا يليق بالتاجر أن يكون رثَّ الثياب لأنه يملك الأموال ، فإنه لا يليق بالعالم أيضًا لأنه يمتلك العلم  .

2- إذا خرج من بيته دعا بالدعاء الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو: اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو أزل أو أزل أو اجهل أو يجهل علي، عز جاهك وجل ثناؤك ولا إله غيرك. ثم يقول : باسم الله وبالله حسبي الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم ثبت جناني وأدر الحق علي لساني ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى مجلس التدريس، فإذا وصل إليه يسلم على من حضر  ، وصلى ركعتين إن لم يكن وقت كراهة فان كان مسجداً تأكدت الصلاة مطلقا، ثم يدعو الله تعالى بالتوفيق والإعانة والعصمة ، ويجلس مستقبل القبلة إن أمكن بوقار وسكينة وتواضع وخشوع متربعاً ، أو غير ذلك مما لم يكره من الجلسات.

  ولا يجلس مقعيا ولا مستوفزاً ولا رافعا ً إحدى رجليه على الأخرى، ولا ماداً رجليه أو أحداهما من غير            عذر ، ولا متكئا على يده إلى جنبه أو وراء ظهره . وليصن بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بها، وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة ، ويتقي المزاح وكثرة الضحك فانه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة، كما قيل : من مزح استخف به ومن أكثر من شي عرف به  ولا يدرس في وقت جوعه ولا عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه ، ولا في حال برده المؤلم ولا حره المزعج ، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر.

    وفي هذا النوع من الأدب يحدثنا ابن جماعة رحمه الله عن العالم في ذلك العصر من ناحية الصلاة وغيرها لأن المسجد كان من وسائط التعليم آنذاك لذلك يأخذ المعلم مما سبق  ما وافق زمنه .

 3-  أن يجلس بارزاً لجميع الحاضرين، ويوقر فاضلهم بالعلم والسن والصلاح والشرف، ويرفعهم على حسب تقديمهم في الإمامة، ويتلطف بالباقين ويكرمهم، ويحسن السلام وطلاقه الوجه ومزيد الاحترام، ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل الإكرام.

    وقد ورد إكرام العلماء وإكرام طلبة العلم في نصوص كثيرة. ويلتفت إلى الحاضرين التفاتا قصداً بحسب الحاجة . ويخص من يكلمه أو يسأله أو يبحث معه على الوجه عند ذلك بمزيد التفات إليه وإقبال عليه وان كان صغيراً أو وضيعاً، فإن ترْك ذلك من أعمال المتجبرين المتكبرين.

4-  أن يقدم على الشروع في البحث والتدريس قراءة شي من كتاب الله تعالى تبركا وتيمنا كما هو العادة، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمى الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ، ويترضى عن أئمة المسلمين ومشايخه ويدعو لنفسه وللحاضرين ووالديهم أجمعين ، وعن واقف مكانه إن كان في مدرسة أو نحوها، جزاء لحسن فعله وتحصيلا لقصده.

5-  إذا تعددت الدروس قدم الاشرف فالأشرف ، والاهم فألاهم. فيقدم تفسير القرآن ثم الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم المذهب، ثم الخلاف ثم النحو في الجدل. وكان بعض العلماء الزهاد يختم الدروس بدروس رقائق الأخبار فيفيد به الحاضرين. تطهير الباطن ونحو ذلك من عظة ورقة وزهد وصبر ،فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدروس شرط اتبعه، ولا يخل بما هو أهم ما بينت له تلك البينة ، ووقفت لأجله.

    وفي النقطتين السابقتين يوضح لنا عالمنا الجليل ما يجب أن يفعله العالم ( المعلم ) في عصره من تمهيد لدرسه ، واختيار تفضيل الدروس وهذا الأمر لا نجده إلا في معاهد الحرمين أو حلقات العلم في المساجد وخلافه ، أما التعليم النظامي في مدارسنا فيقدم الدرس فيه بالتمهيد المناسب للدرس عقب السلام والصلاة على رسول الله بما يتناسب مع طبيعة كل مادة دراسية .

6-  ألا يرفع صوته زائداً على قدر الحاجة، ولا يخفضه خفضا لا يحصل معه كمال الفائدة. روى الخطيب في الجامع عن النبي صلى الله قال: إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع.

والأولى أن لا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين، فان حضر فيهم ثقيل السمع فلا باس بعلو صوته بقدر ما يسمعه، فقد روى في فضيلة ذلك حديث. ولا يسرد الكلام سردا بل يرتله ويرتبه ويتمهل فيه ليفكر فيه هو وسامعه.فقد روي أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه من سمعه، وأنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه. وإذا فرغ من مسالة أو فصل سكت قليلاً حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه، لانا سنذكره إن شاء الله تعالى. انه لا يقطع على العالم كلامه فإذا لم يسكت هذه السكتة ربما فاتت الفائدة.

    وهذا الأمر قد نفتقده عند معلمينا ، ونحن الآن في أمس الحاجة إليه ، ونظرة ابن جماعة لهذا الأمر عين الصواب.

 7-  أن يصون مجلسه عن اللغط ،فان اللغط يحث الغلط .

   لأن مجلس العلم روضة العالم والمتعلمين واللغط فيه يعكر جوه ويفسد روعته .

9-  أن يزجر من تعد في بحثه أو ظهر منه لدد في بحثه أو سوء أدب أو ترك الإنصاف بعد ظهور الحق ، أو أكثر الصياح بغير فائدة أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين ، أو ترفع في مجلس على من هو أولى منه ، أو نام أو تحدث مع غيره أو ضحك أو استهزأ بأحد من الحاضرين ، أو فعل ما يخل بأدب الطالب في الحلقة. وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

وينبغي أن يكون له نقيب فطن لسن درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليهم على قدر منازلهم، ويوقظ النائم ويشير إلى من ترك ما ينبغي فعله، ولو فعل ما ينبغي تركه، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها.

9-  أن يلازم الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على وجهه وإن كان صغيراً. ولا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة. وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور، ووقع على المعنى عبر عن مراده وبين وجه إيراده ، ورد على من رد عليه، ثم يجيب بما عنده أو يطلب ذلك من غيره. ويتروى فيما يجيب به. وإذا سئل عما لم يعلمه قال: لا أعلمه أو لا ادري. فمن العلم أن يقول " لا أعلم " وعن بعضهم: لا أدري " نصف العلم. وأعلم أن قول المسئول " لا أدري " لا يضيع من قدره كما يظنه بعض الجهلة. بل يرفعه لأنه دليل على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه وطهارة قلبه وكمال معرفته وحسن تثبته.

    وأن من يأنف من قول" لا أدري"  ضعفت ديانته وقلت معرفته، لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين ، وهذه جهالة ورقة دين وربما يشتهر خطاه بين الناس فيقع فيما فر منه ، ويتصف عندهم بما احترز عنه. وقد أدب الله العلماء بقصة موسى مع الخضر: حين لم يرد موسى العلم إلى الله عز وجل لما سئل: هل في الأرض أحد اعلم منك؟

10-  أن يتودد لغريب حضر عنده، ويبسط له لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة . فلا يكثر الالتفات والنظر إليه استغرابا له فإن ذلك يخجله .

    وإذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسالة امسك عنها حتى يجلس فإذا بقي لفراغه وقيام الجماعة بقدر ما يصل الفقيه إلى المجلس ، فليؤخر تلك البقية يعيدها (ويشتغل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس الفقيه) أو يتم البقية كيلا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه .

وينبغي مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره إذا لم يكن عليه فيه ضرورة ولا مزيد كلفة.

11-  جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس " والله أعلم " وكذلك يكتب المفتي بعد كتابة الجواب. لكن الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك ليكون قوله:" والله أعلم "خالصاً لذكر الله تعالى ولقصد معناه. ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس                         "  بسم الله الرحمن الرحيم " ليكون ذكر الله تعالى فيه بداية وخاتمة.

     وهو هنا يتحدث عن عصره ولا يمنع أن يكون ذلك في عصرنا نحن أيضًا فذكر الله واجب والتفاؤل به مطلوب ولكن ينوع كل معلم في طريقة ذكر الله بداية ونهاية كل درس ، لأنه في الغالب لم يوضع بداية معرفة لكل درس من نهايته بهذا الشكل .

   والأولى للمدرس أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة، فان فيه فوائد وآدابا له ولهم، منها عدم مزاحمتهم، ومنها أن كان في نفس احد بقايا سؤال سأله، ومنها عدم ركوبه بينهم إن كان ممن يركب وغير ذلك – وذلك لأن كل مدرس في ذلك الزمن له دابة من حمار ونحوه تربط خارج المسجد وقد تكون قرب خيمة التدريس ، وربما علة عدم ركوبه حتى لا يسقط أمام طلابه أو يتعثر مما يجلب الخجل والإحراج للمعلم - . ويستحب إذا قام أن يدعو بما ورد به الحديث : " سبحانك اللهم وبحمدك لا اله إلا أنت ،أستغفرك وأتوب إليك" – وهو دعاء كفارة المجلس الذي يغفله كثير من الناس في وقتنا الحاضر - .

12-  أن لا ينتصب إذا لم يكن أهلا له، ولا يذكر الدرس من لا يعرفه سواء اشترط الواقف أم لم يشترطه، فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس.

وعن أبي حنيفة : من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقى . واللبيب من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيه ناقصا وبتعاطيه ظالما، أو بإصرار عليها فاسقا ، فانه متى لم يكن أهلا لما شرطه الواقف في وقفه ، أو لما يقتضيه عرف مثله كان بإصراره على تناول ما لا يستحقه فاسقا، فان كان الواقف شرط " في الوقف بان يكون المدرس عاميا أو جاهلا لم يصح شرطه.

 ثالثًا : في أدب العالم مع طلبته مطلقاً وفي حلقته

   وقد ذكر فيها ابن جماعة – رحمه الله - أربعة عشر نوعا وجهها للعالم في التعامل مع طلبته ، وطريقته في إدارة حلقته وهي على النحو التالي :

1-  أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى ، ونشر العلم وإحياء الشرعية ودوام ظهور الحق وخمول الباطل ، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها واغتنام ثوابهم ،وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعدهم ، وبركة دعائهم له وترحمهم عليه ، ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم ، وعداده في جملة متلقي ومبلغي وحي الله تعالى وأحكامه . فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين وأعلى درجات المؤمنين.

2-  أن لا يمتنع من تعليم الطالب لعدم خلوص نيته، فإن حسن النية مرجو له ببركة العلم . قال بعض السلف :طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ، قيل: معناه فكان عاقبته أن صار لله. ولأن إخلاص النية لو شُرِطَ في تعليم المبتدئين فيه مع عسره على كثير منهم لأدى ذلك إلى تفويت العلم على كثير من الناس، لكن الشيخ يحرض المبتدئ على حسن النية بتدريج قولا وفعلا . ويعلمه بعد أنسه به انه ببركة حسن النية ينال الرتبة العلية من العلم والعمل ، وفيض اللطائف وأنواع الحكم،وتنوير القلب وانشراح الصدر، وتوفيق العزم وإصابة الحق، وحسن الحال والتسديد في المقال ، وعلو الدرجات يوم القيامة – كأنه يتحدث هنا عما يجب أن يكون عليه المعلمون - .

 3-  أن يرغبه في العلم وطلبه في أكثر الأوقات ، ويذكر ما أعد الله تعالى للعلماء من منازل الكرامات، وأنهم ورثة الأنبياء وعلى منابر من نور، يغبطهم الأنبياء والشهداء ، ونحو ذلك لما ورد في فضل العلم ما يعين على تحصيله من الاقتصار على الميسور ، وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها.

4-  أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحسنة والشفقة عليه والإحسان إليه ، والصبر على جفاه وربما وقع من نقص لا يكاد يخلو الإنسان عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان ، ويبسط عذره بحسب الإمكان ، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطيف لا بتعنيف قاصدا بذلك حسن تربيته وحسن خلقه وإصلاح شانه، فان عرف ذلك لذكائه بالإشارة فلا حاجة إلى صريح العبارة ، وإن لم يفهم ذلك إلا من صريحها ، أتى به وراعى التدريج في التلطف ، ويؤدبه بالآداب الحسنة ويحرضه على الأخلاق المرضية ويوصيه بالأمور العرفية على الأوضاع الشرعية.

5-  أن يسمع له بسهولة الإلقاء في تعليمه وحسن التلطف في تفهيمه، لاسيما إذا كان أهلا لذلك لحسن أدبه وجوده طلبة. وبحرصه على ضبط الفوائد وحفظ النوادر الفرائد، ولا يدخر عنه من أنواع العلوم ما يسأله، عنه وهو أهل له، لأن ذلك ربما يوحش الصدر وينفر القلب ويورث الوحشة.

وكذلك لا يلقي إليه ما لم يتأهل له، لأن ذلك يبدد ذهنه ويفرق فهمه فإن سأله الطالب شيئًا من ذلك لم يجبه ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وان منعه شفقة عليه ولطف به لا بخلا عليه، ثم يرغبه عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل ليتأهل لذلك وغيره.

6-  أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده وتقريب المعنى له ، من غير إكثار لا يحتمله ذهنه، أو بسط لا يضبطه حفظه، ويوضح لمتوقف الذهن العبارة ويحتسب إعادة الشرح له وتكراره، ويبدأ بتصوير المسائل ثم يوضحها بالأمثلة ، ويذكر الأدلة والمآخذ لمحتملها. ويبين له معاني أسرار حكمها وعللها، وما يتعلق بتلك المسألة من فرع وأصل، ومن وهم فيها في حكم أو تخريج أو نقل، بعبارة حسنة الأداء بعيدة عن تنقيص أحد من العلماء. ويقصد ببيان ذلك الوهم طريق النصيحة وتعريف النقول الصحيحة. ويذكر ما يشابه تلك المسالة ويناسبها وما يفارقها ويقاربها وبين مأخذ الحكمين والفرق بين المسالتين.

    ولا يمنع من ذكر لفظة يستحي من ذكرها عادة إذا احتيج إليها ولم يتم التوضيح إلا بذكرها، فان كانت الكناية تفيد معناها وتحصيل مقتضاها تحصيلا بينا لم يصرح بذكرها، بل يكتفي بالكناية عنها. وكذلك إذا كان في المجلس من لا يليق ذكرها بحضوره لحيائه أو لجفائه فيكنى عن تلك اللفظة بغيرها. ولهذه المعاني واختلاف الحال والله أعلم. ورد في حديث الني صلى الله عليه وسلم " التصريح تارة والكناية أخرى".- لذا فالمعلم الحاذق هو الذي يعرف متى يستخدم ألفاظه الصريحة ومتى يكني بها ، لأن الطالب والمجتمع من حوله ينقد كل كلمة قد تسيء إلى شخصه لاسيما أن هذه المهارة لا تتأتى لأي معلم مالم يتمرس عليها ، فهي تمنع عنه الحرج خاصة إن كان يتحدث مع الكبار من الطلاب ويرى الباحث قيام دورات تدريبية على مثل هذا الأمر أمر مهم بشكل أو بآخر - .

7-  إذا فرغ الشيخ – المعلم -  من شرح درس فلا باس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة ،يمتحن بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم . فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له. والمعنى بطرح المسائل أن الطالب ربما استحيا من قوله: " لم افهم "، إما لرفع كلفة الإعادة على الشيخ أو لضيق الوقت أو حياء من الحاضرين، أو كيلا يتأخر قراءتهم بسببه. ولذلك قيل : لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب هل فهمت إلا إذا امن قوله نعم، قبل إن يفهم فان لم يفهم يأمن كذبه لحياء أو غيره ، فلا يسأله عن فهمه لأنه ربما وقع في الكذب بقوله " نعم" ،  بل يطرح عليه المسائل بعد ذلك . إلا أن يستدعى الطالب ذلك لا احتمال خجله بظهور خلاف ما أجاب به. وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدرس ،  وبإعادة الشرح بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم ويرسخ في إفهامهم ولأنه يحثهم على استعمال الفكر ومؤاخذة النفس بطلب التحقيق.

8-  إن يطالب الطلبة في بعض الأوقات بإعادة المحفوظات ، ويمتحن ضبطهم لما قدم لهم من القواعد المهمة والمسائل الغربية ، وليختبرهم بمسائل تنبني على أصل قدرة أو دليل ذكره فمن رآه مصيبا في الجواب ولم يخف عليه شدة الإعجاب ، شكره وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد ومن يراه مقصراً ولم يخف نفوره عنفه على قصوره وحرضه على ما يقتضى علو الهمة ونيل المنزلة في طلب العلم. لا سيما إن كان ممن يزيده التعنيف نشاطا والشكر انبساطاً ويعيد ما يقتضي الحال إعادته ليفهمه الطالب فهما راسخا.

9-  إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تتحمله طاقته وخاف الشيخ ضجره ، أوصاه بالرفق بنفسه وذكره بقول النبي صلى الله  عليه وسلم : " إن المُنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً ابقي " ونحو ذلك مما يحمله على الأناة والاقتصاد في الاجتهاد. وكذلك إذا ظهر له منه- أي الطالب - نوع سآمة أو ضجر أو مبادئ ذلك ، أمره بالراحة وخفيف الاشتغال . ولا يشير على الطالب بتعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنة. ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه فان استشار الشيخ من لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب ، لم يشير عليه حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله . فان لم يحتمل الحال التأخير أشارة عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب.- وقد أشكل على أكثر المعلمين شرود أذهان طلابهم في الفصول ،و لقلة معرفتهم يتخذون أساليب غير تربوية من إخراج الطلاب خارج قاعات الدراسة أو معاقبتهم ، وكان الأولى التخفيف من وطأة الدرس والمعلومة ، أو إعطائهم راحةً خلال الدرس ، يتهيأ من خلالها ذهن الطالب ويستعيد قواه ، خاصة بعدما كثرت المواد ، وزادت التخصصات- .   

10 - أن يذكر للطلبة قواعد الفن التي لا تنخرم ، أما مطلقا كتقديم المباشرة على السبب في الضمان، أو غالبا كاليمين على المدعي عليه إذا لم يكن ببينه إلا في القسامة والمسائل المستثناه من القواعد.

    والقواعد التي يقصدها ابن جماعة هنا – في رأي الباحث - الأساسيات التي يبنى عليها كل علم لأن كل ما يأتي بعدها زيادة علم ، وعلى قول المثل ( إن أعطيت ابنك سمكة فقد أطعمته ، وإن علمته الصيد فأنت تطعمه كل يوم ) وما أحوج الأبناء إليها خاصة في عصرنا هذا -عصر السرعة كما يُقال  - والجميل أن المعلم الذي يوصل المعلومات الأساسية في درسه لطلابه هو المعلم الناجح لأن إعمال العقل في فضلة الأمور ضياع لأصله مالم يُقعد لدى الطلاب .

 11- أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة، أو اعتناء مع تساويهم في الصفات، من سن أو فضيلة أو تحصيل أو ديانة. فان ذلك ربما يوحش الصدر وينفر القلب. فان كان بعضهم أكثر تحصيلا واشد اجتهاداً وابلغ اجتهاداً وأحسن أدبا، فاظهر إكرامة وتفضيله، وبين أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب فلا باس بذلك. لأنه ينشط ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات. وكذلك لا يقدم أحدا في نوبة غيره أو يؤخره عن نوبته.

    وينبغي أن يتودد لحاضرهم ويذكر غائبهم بخير وحسن ثناء وينبغي أن يتعلم أسماءهم وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم ويكثر الدعاء لهم بالصلاح.

     ومن هنا – كما يرى الباحث – تنطلق العلاقات الحميمة بين المعلم وطلابه ، وهذه النقطة هي دعامة قوية لفهم الطالب من معلمه وحبه لمادته .

12-  أن يراقب أحوال الطلبة في أدبهم وهديهم وأخلاقهم باطنا وظاهراً ، وكذلك يتعاهد ما يتعامل به بعضهم بعضا من إفشاء السلام وحسن التخاطب في الكلام.

13-  أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما يتيسر عليه من جاه أو مآله عند قدرته على ذلك،وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدًا عن العادة، سال عنه وعن أحواله وعن من يتعلق به. فان لم يخبر عنه بشي أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل.

14- أن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد سائل، إذا أقام بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوقه، ويخفض له جناحه ويلين له جانبه ، ويقول كان الشافعي يأمر بذلك ويقول: اصبر للغرباء وغيرهم من التلاميذ. وقيل : كان      أبوحنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكراما لأصحابه.

الباب الثالث : في آداب المتعلم

وقد  حوى هذا الباب على ثلاثة فصول :1- آدابه في نفسه .

                                        2- في آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليها من عظيم حرمته .

                                        3- في آدابه في درسه وقراءته في الحلقه وما يعتمد فيها مع الشيخ  والرفقه .  

تمهيد :

   بعدما ذكر ابن جماعة - رحمه الله – ما يتوجب على العالم ( المعلم ) في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه ، يتحدث في هذا الفصل عما يتوجب على المتعلم ، وهذا هو ترتيب السلم الصحيح – من وجهة نظر الباحث - ، وقد أورد ثلاثة فصول في هذا الباب .

أولاً :  في آدابه في نفسه :

 وهو عشرة أنواع :

1-  أن يطهر قلبه من كل غش وغل، ودنس وحسد ، وسوء عقيدة وخلق، ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائق معانيه، وحقائق معانيه وحقائق غوامضه. - وهذا هو داء طالب العلم - .

2-  حسن النية في طلب العلم – ليكتب له الأجر في طلبه ، ويعد في سبيل الله - .

3-  أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويق والتأويل ، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة ، والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذلك الاجتهاد ، وقوة الجد في التحصيل ، فإنها كقواطع الطريق.

4-  أن يقنع من القوت بما تيسر وان كان يسيرا، ومن اللباس بما ستر مثله وان كان خلقا، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن متفرقات الآمال ويتفجر منه ينابيع الحكم.

5-  أن يقسم أوقات ليله ونهاره ويغتنم ما بقي من عمره، فان بقية العمر لا قيمة له، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل . – وهذه الأوقات التي حددها بن جماعة – رحمه الله – من أفضل الأوقات في الاستذكار - .

6-  من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال أكل القدر اليسير من الحلال.

7-  أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شانه.

8-  أن يقلل من استعمال المطاعم التي هي من أسباب البلادة وضعف الحواس ، كالتفاح الحامض والباقلي وشرب الخل وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبلد للذهن المثقل للبدن، ككثرة الألبان والسمك وما أشبه ذلك . وينبغي أن يستعمل ما جعله الله سببا لجودة الذهن كمضغ اللبان والمصطكي على حسب العادة واكل الزبيب بكرة والجلاب، ونحو ذلك مما ليس هذا موضع شرحه. وينبغي أن يتجنب ما يورث النسيان بالخاصية، كأكل أثر سؤر الفار، وقراءة ألواح القبور والدخول بين جملين مقطورين ، وإلقاء القمل ونحو ذلك من المجريات فيه. – وكأنه يحدد بعض الأطعمة الخفيفة على بيت الداء والدواء لكل إنسان وهي معدته ، فكما يُقال البطنة تُذهب الفطنة ، فيجب على طالب العلم البعد عن إكثار الطعام والتقليل منه ، أما تحديده لنوعية الطعام فأمر يرى فيه الباحث شيئًا من المبالغة فاختلاف الناس يحتم اختيار نوعية طعامهم ، وكل أعلم بأمره ، والأصل البعد عن ما حرِّم والأكل من المباح ، بحدود طاقة الإنسان كما هو معهود من حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام ( ثلث لطعامك ..) .

9-  أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة على ثمان ساعات وهو ثلث الزمان. فان احتمل حاله اقل منها فعل. ولا باس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كل شي من ذلك أو ضعف، بتنزه وتفرج في المنتزهات بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع زمانه.

   ولا باس بمعانات المشي ورياضة البدن ، فقد قيل : انه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن، ولا بأس أيضا بالوطئ الحلال إذا احتاج إليه فقد قال الأطباء انه يخفف الفضول ويصفي الذهن إذا كان عند الحاجة باعتدال ، ويحذر كثرته حذر العدو فانه كما قيل : " ما ء الحياة يراق في الأرحام " يضعف السمع والبصر والحرارة والعظم والهضم وغير ذلك من الأمراض الردية والمحققون من الأطباء يرون أن تركه أولى إلا لضرورة أو استشفاء  وبالجملة فلا باس أن يريح نفسه إذا خاف مللا . وكان بعض أكابر العلماء يجمع أصحابه في بعض أماكن التنزه في بعض أيام السنة ويتمازحون بما لا ضرر عليهم في دين ولا عرض.

10-  أن يترك العشرة فان تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم ، ولا سيما لغير الجنس ، وخصوصا لمن كثر لعبه وقلت فكرته ، فان الطباع سراقة . وان في العشرة ضياع العمر بغير فائدة وذهاب المال والعرض أن كان لغير أهل الدين والذي ينبغي لطالب العلم ، أن لا يخالط إلا من يفيده ويستفيد منه كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : اغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك فان شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد ، ولا يعينه على ما هو بصدد فليتلطف قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها . فان الأمور إذا تمكنت عسرت إزالته.  فان احتاج إلى من يصحبه فليكن صاحبا صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة قليل المماراة إن نسي ذكره، وان ذكر أعانه وان احتاج وأساة، وان ضجر صبره. – وكأنه يشير هنا إلى رفقه السوء والبعد عنهم واختيار الرفقة الصالحة  - .

ثانيًا : في أدبه مع شيخه وقدوته

    وفي هذا الفصل يوجه ابن جماعة – رحمه الله – طالب العلم في تعامله مع شيخه وقدوته وقد أورد له  ثلاثة عشر نوعا:

1-  انه ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله تعالى فيمن ياخذ العلم عنه ، ويكتسب حسن الأخلاق والأدب منه .

2-  أن ينقاد لشيخه في أموره ولا يخرج عن راية وتدبيره ، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر، فيشاوره فيما يقصده ، و يتحرى رضاه فيما يعتمده ويبالغ في حرمته ، ويتقرب إلى الله عز وجل بخدمته، ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة.

2-  أن ينظره بعين الإجلال ويعتقد فيه درجة الكمال، فان ذلك اقرب إلى نفعه به.

      وينبغي إلا يخاطب شيخه " بتاء" الخطاب "وكافه" ولا يناديه من بُعد، بل يقول: يا سيدي ويا أستاذي. وقال الخطيب ":يقول يا أيها العالم أو أيها الحافظ ونحو ذلك. وما تقولون في كذا وما رأيكم في كذا وشبه ذلك ولا يسميه في غيبته أيضا باسمه إلا مقرونا بما يشعر بتعظيمه كقوله: قال الشيخ أو الأستاذ كذا. أو قال شيخنا، أو قال حجة الإسلام ونحو ذلك.

4-  أن يعرف له حقه ولا ينسى فضله.

 5-  أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق ، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته ، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل . – ولا ينس الطالب أن الدين النصيحة ، فقد تعطى بشكل غير مباشر .  

6-  أن يشكر الشيخ على توفيقه على ما فيه فضيلة ، وعلى توبيخه على ما فيه نقيصه . أو على كسل يعتريه أو قصور يعانيه ، ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه. فإن ذلك أميل لقلب الشيخ ، وأبعث على الاعتناء بمصالحه.

7-  أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان سواء كان الشيخ وحده أم كان معه غيره.

8-  أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب كما يجلس الصبي بين يدي المقري أو متربعا بتواضع وخضوع وسكون وخشوع، يصغي إلى الشيخ ناظراً إليه ويقبل بكليته عليه، متعقلا لقوله بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام مرة ثانية.

9-  أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان ، ولا يقول له : ( لِمَ ) ، ( ولا نُسَلِّم)  ولا ( من نقل هذا؟ ) ولا ( أين موضعه؟) وشبه ذلك .

10 -  إذا سمع الشيخ يذكر حكمًا في مسالة أو فائدة مستغربة، أو يحكي حكاية أو ينشد شعراً وهو يحفظ ذلك، أصغى إليه إصغاء مستفيد له في الحال، متعطشا إليه فرح به وكأنه لم يسمعه قط.

11-   أن لا يسبق الشيخ إلي شرح مسالة أو جواب سؤال منه أومن غيره ، ولا يساوقه فيه ولا يظهر معرفته أو إدراكه له قبل الشيخ، فان عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء منه فلا باس.

12- إذا ناول الشيخ شيئا يناوله باليمين فإن كان ورقة يقرأها كفُتْيَا أو قصة أو مكتوب شرعي ونحو ذلك ، نشرها ثم دفعها إليه ، ولا يدفعها إليه مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك.

13-  إذا مشي مع الشيخ فليكن أمامه بالليل ووراءه بالنهار،إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها. ويتقدم عليه في المواطي المجهولة الحال لوحل أو خوص . أو المواطن الخطرة ويتحرز عن ترشيش ثياب الشيخ. وإذا كان في زحمة صانة عنها ببدنه أما من قدامه أومن ورائه.

   وقد نسمي ما سبق ( فن التعامل مع المعلمين ) .

ثالثًا: في آدابه في درسه وقراءته في الحلقة وما يعتمد فيها مع الشيخ والرفقة :

وقد ذكر فيها ثلاثة عشر نوعا:

1 - أن يبتدئ أولا في كتاب الله العزيز. فيتقنه حفظا ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه، فانه أصل العلوم وأمها وأهمها. ثم يحفظ من كلفن مختصراً يجمع فيه بين طرفيه من الحديث وعلومه والأصوليين والنحو والتصريف. ولا يشتغل بذلك كله عن دراسة القرآن وتعهده وملازمة ورد منه كل يوم أو أيام أو جمعة كما تقدم وليحذر من نسيانه بعد حفظه فقد ورد فيه أحاديث تزجر عنه.

 2-  أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقا في العقليات والسمعيات، فانه يحير الذهن ويدهش العقل.

3- أن يصحح ما يقرأه قبل حفظه تصحيحا متقنا، إما على الشيخ أو على غيره ممن يعينه، ثم يحفظه بعد ذلك حفظاً محكما ثم يكرر عليه بعد حفظه تكراراً جيداً. ثم يتعاهده في أوقات يقررها لتكرار مواضيه . ولا يحفظ شيئا قبل تصحيحه لأنه يقع في التحريف والتصحيف وقد تقدم أن العلم لا يؤخذ من الكتب فإنه من أضر المفاسد.

وينبغي أن يحضر معه الدواة والقلم والسكين للتصحيح، ويضبط ما يصححه لغة وإعرابا وإذا رد الشيخ عليه لفظه وظن أن ردة خلاف الصواب أو علمه ،كرر اللفظة مع ما قبلها ليتنبه إليها الشيخ ، أو يأتي بلفظ الصواب على سبيل الاستفهام ،فربما وقع ذلك سهواً أو سبق لسانه لغفلة ، ولا يقل : "بل هي كذا ".

4- أن يبكر بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه ، والنظر في إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه... – وابن جماعة هنا يوجه حديثه لمن يدرس علوم الحديث ورجاله - .

5-  إذا شرح محفوظاته المختصرات وضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات ، انتقل إلى مبحث المبسوطات مع المطالعة الدائمة، وتعليق ما يمر به أو يسمعه من الفوائد النفيسة والمسائل الدقيقة ، والفروع الغربية وحل المشكلات ،والفروق بين إحكام المتشابهات من جميع أنواع العلوم.

6-  أن يلزم حلقة شيخه في التدريس والإقراء بل وجميع مجالسه إذا أمكن ، فانه لا يزيده إلا خيراً وتحصيلا وأدبا وتفضيلاً .

7-  إذا حضر مجلس الشيخ سلم على الحاضرين بصوت يسمع جميعهم. وخص الشيخ بزيادة تحية وإكرام ، وكذلك يسلم إذا انصرف .

8- أن يتأدب مع حاضري مجلس الشيخ، فإنه أدب معه واحترام لمجلسه وهم رفقاؤه.

9- أن لا يستحي من سؤال ما أشكل عليه وتفهم ما يتعلمه بلطف وحسن خطاب وأدب وسؤال.

10- مراعاة نوبته فلا يتقدم عليها بغير رضى من هي له .

11- أن يكون جلوسه بين يدي الشيخ على ما تقدم تفصيله وهيأته في أدبه مع شيخه.

12- إذا حضرت نوبته استأذن الشيخ كما ذكرناه . فان استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ثم يدعو للشيخ ولوالديه ولمشايخه ولنفسه ولسائر المسلمين.

      و هذه الأنواع من الآداب تخص النصح  على طلاب العلم بشكل عام والمتخصصين في الشريعة وأصول الدين بشكل خاص ، فكأنه هنا يعطيهم ما يجب أن يكون عليه طالب العلم تجاه دراسته .

      والجميل لو اطلع على هذا القول من بدأ في طلب العلم ليجعل له شرعة ومنهاجًا يستنير به .

 الباب الرابع : في الأدب مع الكتب التي هي آلة العلم  

وقد حوى هذا الباب على مايتعلق بالكتب من تصحيح ، ,ضبط ، وحمل ، ووضع ، وشراء ، ونسخ ، وإعارة ، وغير ذلك ، حرصًا من الشيخ على هذا الكتاب ، وقد وصفه بأنه آلة العلم ، فهو وعائه الأمين ، وحامله المتين ، وصديق قارئه الذي لا يكل ولا يمل ، بين يديك إذا أردت ، وتحت طوعك إذا أمرت ، فلا يستهان به على أنه اليوم أصبح من المهملين ، أنظر لمدارسنا اليوم كيف تعج بنفايات الكتب بعد انقضاء أوقات الامتحانات ، أنظر لجامعاتنا كيف تزخر بالأوراق المتناثرة والكتب الممزقة والمذكرات المتهالكة ، إهدار للعلم واستهانة بها ، ولا يعني ذلك أن هناك فئة من الناس قد حافظوا على كتبهم وكثير هم ولكن مقارنة مع المستهترين !؟ .

   ذكر شيخنا الجليل في هذا الأمر أحد عشر نوعاً من الأداب وهي  :  

1-  ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه، شراء وإلا فأجاره أو عارية لأنها آله التحصيل.

2-  يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فإنها ممن لا ضرر منه بها. وكره عاريتها والأول أولى لما فيه من الإعانة على العلم على ما في مطلق العارية من الفضل والأجر.

      وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك، ويجزيه خيراً. ولا يطيل مقامه عنده من غير حاجة، بل بردة إذا قضي حاجته ولا يحبسه إذا طلبه المالك أو استغني عنه ولا يجوز أن يصلحه بغير أذن صاحبه. ولا يحشيه ولا يكتب شيئا في بياض فواتحه أو خواتمه الا إذا علم رضا صاحبه . وهو كما يكتبه المحدث على جزء سمعه أو كتبه، فلا يسوده ولا يعيره غيره، ولا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعا ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه.

     فان كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين، فلا باس بالنسخ منه مع الاحتياط أولا بإصلاحه ممن هو أهلا لذلك  وحسن أن يستأذن الناظر فيه.

      وإذا نسخ منه بإذن صاحبه أو ناظره فلا يكتب منه والقرطاس في بطنه أو على كتابته. ولا يضع المحبرة عليه ولا يمر بالقلم الممدود فوق كتابته.

وانشد بعضهم:

أيها المستعير مني كتاباً           ارض لي فيه ما لنفسك ترضى

وانشدوا في إعارة الكتب ومنها قطعا كثيرة لا يحتملها هذا المختصر.

3-  إذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه على الأرض مفروشا منشوراً ، بل يجعله بين كتابين أو شيئين أو كرسي الكتب المعروف، كيلا يسرع تقطع حبله فإذا وضعها في مكان مصفوفة فليكن على كرسي أو تحت خشب أو نحوه والأولى أن يكون بينها وبين الأرض خلو ولا يضعها على الأرض كيلا يتندي أو تبلى .

4- إذا استعار كتابا فينبغي أن يتفقده عند إرادة أخذه وردة ، وإن اشترى كتابا تعهد أوله وأخره ووسطه        وترتيب أبوابه وكراريسه ، وتصفح أوراقه أو اعتبر صحته . ومما يغلب على الظن صحته إذا ضاق الزمان عن تفتيشه ما قاله الشافعي "قال إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة وقال بعضهم : لا يضئ الكتاب حتى يظلم ، يريد إصلاحه.

5- إذ نسخ من كتب العلوم الشرعية ، فينبغي أن يكون على طهارة، مستقبل القبلة ، طاهر البدن والثياب بحبر طاهر، ويتبدي كل كتاب بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم .

6- ينبغي أن يتجنب الكتابة الدقيقة في النسخ ، فإن الخط علامة فأبينه أحسنه .

7-  إذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصله الصحيح أو على شيخ، فينبغي له أن يشكل المشكل، ويعجم المستعجم ويضبط الملتبس ويتفقد مواضع التصحيح ،  وإذا احتاج ضبط ما في متن الكتاب إلى ضبطه في الحاشية وبيان تفصيله .

8-  إذا أراد تخريج شي في الحاشية وتسمى اللحق بفتح الحاء ، علم له في موضعه بخط منعطف قليلاً إلى جهة التخريج وجهة اليمين الأولى إن أمكن.

9-  لا باس بكتابة الحواشي والفوائد والتنبيهات المهمة على حواشي كتاب يملكه، ولا يكتب في أخر " صح " فرقا بينه وبين التخريج.

10-  لا باس بكتابة الأبواب والتراجم والفصول بالحمرة ، فإنه أظهر في البيان وفي فواصل الكلام.

11-  قالوا الضرب أولى من الحك لا سيما في كتب الحديث لان فيه تهمة وجهالة فيما كان أو كتب ، ولأن زمانه أكثر فيضيع ، وفعله اخطر فربما ثقب الورقة وافسد ما ينفذ إليه فأضعفها ،فان كان إزالة نقطة أو شكلة ونحو ذلك، فالحك أولى. وإذا صحح الكتابَ على الشيخ أو في المقابلة علم على موضع وقوفه "بلغ" أو " بلغت " أو " بلغ الغرض أو غير ذلك مما يفيد معناه، فإن ذلك في سماع الحديث كتب.

     ومن خلال ما سبق ذكره نجد أن شيخنا الجليل وعالمنا التربوي ابن جماعة –رحمه الله – قد وضع لنا دستورًا يسير عليه طلاب العلم في التعامل مع الكتب  بداية من امتلاكه حتى نسخه وحفظه ، وما يجب أن نتوقف عنده هو أن ابن جماعة –رحمه الله – يتحدث عن طريقة طلاب عصره من ناحية النسخ وغيرها أما ما وافق زمننا هو المحافظة على الكتاب و طريق التعليق على مادته .

الباب الخامس : في آداب سكنى المدارس للمنتهي والطالب لأنها مساكنهم في الغالب :

     أفرد ابن جماعة –رحمه الله – في هذا الباب الأمور المتعلقة بالطالب في ناحية السكن الذي يختاره عند طلبه للعلم وكأنه هنا مرشدًا سكنيًا لمن تغرب لطلب العلم ، ولم يغفل رحمه الله هذا الأمر لأن طالب العلم يحتاج للاستقرار حتى يبذل ما بوسعه لطلب العلم ، وهذا الأمر أولته الدول التي تحوي في مدنها الجامعات الشيء الكثير حرصًا على طلابها واستقرارهم .. والأمور التي ذكرها ما يلي :

1-  أن ينتخب لنفسه من المدارس بقدر الإمكان ما كان واقفة اقرب إلى الورع وأبعد من البدع.

2-  أن يكون المدرس بها ذا رياسة وفضل وديانة وعقل ومهابة، وجلالة وناموس وعدالة ومحبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء ،يقرب المخلصين ويرغب المشتغلين ويبعد اللعانين وينصف النجابين حريصا على النفع مواضبا على الإفادة ، وقد تقدم سائر آدابه فان كان له معبد ، فليكن من صلحاء الفضلاء وفضلاء العلماء ، صبوراً على أخلاق الطلبة، حريصا على فائدتهم وانتفاعهم به قائما بوظيفة اشتغالهم .

3-  أن يتعرف بشروطها ليقوم بحقوقها ومهما أمكنه التنزه عن معلوم المدارس فهو أولى، لاسيما في المدارس التي ضيق في شروطها وشدد في وظائفها.

4 -  إذا حصر الواقف سكنى المدرسة على المرتبين بها دون غيرهم لم يسكن فيها غيرهم.

5-  أن لا يشتغل فيها بالمعاشرة والصحبة، أو يرضي من سكنها بالمسالة والخطبة بل يقبل على شانه وتحصيله وما بنيت المدارس له ويقطع العشرة فيها لأنها تفسد الحال وتضيع المال كما تقدم.

6-  أن يكرم أهل المدرسة التي يسكنها بإفشاء السلام وإظهار المودة والاحترام، ويراعي لهم حق الجيرة والصحبة والإخوة في الدين والحرفة، لأنهم أهل العلم وحملته وطلابه.

7-  أن يختار لجواره إن أمكن أصلحهم حالا، وأكثرهم اشتغالا، وأجودهم طبعا،وأصونهم عرضاً ليكون معينا له على ما هو  بصدده .

8-  إذا كان سكنه في مسجد المدرسة أو في مكان الاجتماع ومروره على حصيره وفرشه، فليتحفظ عند صعوده إليه من سقوط شي من نعليه ولا يقابل بأسفلهما القبلة ولا وجوه الناس ولا ثيابه بل يجعل أسفل أحدهما إلى أسفل الأخرى بعد نفضها ،وإذا سكن في البيوت العليا ، خفف المشي والاستلقاء عليها ووضع ما يثقل كيلا يؤذي من تحته .

9-  أن لا يتخذ باب المدرسة مجلسا، بل لا يجلس فيه إذا أمكن إلا لحاجة أو في ندرة لقبض أو ضيق صدر. ولا في دهليزها المهتوك إلى الطريق.

    ولا تكثر التمشي في ساحة المدرسة بطالا من غير حاجة إلى راحة أو رياضة أو انتظار احد. ويقلل الخروج ما أمكنه ويسلم على من في الباب إذا مر عليه، لا يدخل على ميضائها – مكان الاغتسال والوضوء -  العامة عند الزحام من العامة إلا لضرورة لما فيه من التبذل ،ويتأنى عنده ، ويطرق الباب إن كان مردوداً طرقا خفيفا ثلاثا.

10-  أن لا ينظر في بيت احد في مروره من شقوق الباب ونحوه. ولا يلتفت إليه إن كان مفتوحا. وإن سلم ،سلم وهو مار به من غير التفات، ولا يكثر الإشارة إلى الطاقات لا سيما إن كان فيهن نساء . ولا يرفع صوته جداً في تكرار أو نداء أحد أو بحث ، ولا يشوش على غيره ما أمكنه بحضور المصلين أو حضور أهل الدرس، ويتحفظ من  شدة وقع القبقاب أو العنف في إغلاق الباب ، وإزعاج المشي في الخروج والدخول والصعود والنزول، وطرق باب المدرسة وبشدة لا يحتاج إليها ونداء من بأعلى المدرسة من أسفلها إلا أن يكون بصوت معتدل عند الحاجـة وإذا كانت المدرسةمكشوفة إلى الطريق السالك وكشف باب أو شباك يحفظ فيها من التجرد عن الثيــاب وكشف الرأس الطويل

    من غير حاجة ويجتنب ما يعاب، كالأكل ماشيا، وكلام الهزل غالبا، والبسط بالفعل وفرط التمطي ، والتمايل على الجنب والقفا ،والضحك الفاحش بالقهقهة ولا يصعد إلى سطحها المشرف من غير حاجة أو ضرورة.

11- أن يتقدم على المدرس في حضور موضع الدرس، ولا يتأخر إلى بعد جلوسه وجلوس الجماعة، فيكلفهم المعتاد من القيام ورد السلام، وربما فيهم معذور فيجد في نفسه منه، و لا يعرف عذره. وقد قال السلف من الأدب مع المدرس أن ينتظره الفقهاء لا ينتظرهم.وينبغي أن يتأدب في حضور الدرس بان يحضره على أحسن الهيئات وأكمل الطهارات ولا يتكلم بين الدرسين إذا ختم المدرس الأول بقوله " والله أعلم " إلا بإذن منه " ولا يتكلم في مسالة أخذ المدرس الكلام في غيرها. ولا يتكلم في شي حتى ينظر فائدة وموضعا. ويحذر المجاراة في البحث والمغالبة فيه، فإن ثارت نفسه لجمها بلجام الصمت والصبر والإنصات ، ويجتهد كل الحاضرين على طهارة القلب لصاحبه وخلوه من الحقد وأن لا يقوم وفي نفسه شي منه، وإذا قام من الدرس فليقل ما جاء في الحديث: " سبحانك اللهم وبحمدك لا اله إلا أنت  أستغفرك وأتوب إليك فاغفر لي ذنبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (1).

    هذه القواعد العامة التي أكدها الشيخ ابن جماعة في حديثه عن آداب المعلمين والمتعلمين ، التي تتضمن فعالية الإلقاء ، وتحقيق الأهداف التربوية ، التي يطمح المعلم إلى تحقيقها .

     وبهذا يمكن القول بأن ابن جماعة بفكره وآرائه ونطرياته التربوية قد أضاف بعد جديداً للمفاهيم التربوية ، جعلته محطة أنظار العلماء والمفكرين ، وحضى بالإجلال والإعجاب مما حدا بهم إلى الإقتباس من آرائه التربوية والإستفادة منها من أمثال جان جاك روس وبستالوزي وجون ديوي ، وغيرهم . وهذا دليل على أنه كان لعلماء المسلمين دور كبير في إثراء الفكر التربوي الحديث (2) .

 ------------------------------------------------------------

(1)   عبدالأمير شمس الدين ؛ المذهب التربوي عند ابن جماعة ، دار اقرأ ، بيروت ، الطبعة الأولى ؛1984م .

(2) محمد عبدالرحمن الدخيل ؛ مدخل إلى أصول التربية الإسلامية ؛ ط2 ؛ دار الخريجي ، الرياض ، ص194 .   

(3) عبدالأمير شمس الدين ؛ المذهب التربوي عند ابن جماعة ، مصدر سابق ص 18 .

عبدالبر القرطبي368هـ - 463هـ

   الحافظ يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر بن عصم النمري القرطبي الأندلسي المالكي صاحب التصانيف الكثيرة ؟(1) .

    عربي من النمر بن قاسط – أحدى قبائل الربيعة بن نزار وهي من القبائل العدنانية ـ أندلسي المولد، أندلسي النشأة والثقافة ، لم يغادر الأندلس ولم يتعلم خارجها ، درس التفسير والقراءات والفقه والحديث وعلوم العربية والتاريخ و الأنساب (2) ، وقد أعطى معظم اهتمامه للحديث فنبغ فيه واشتهر به ، وكثير من علماء الحديث المتصلين به كانوا تلاميذه (3) .

    بقى ابن عبد البر في قرطبة حتى شبت الفتنة عام 399 هـ 1008 م فاتجه إلى غرب الأندلس واستقر فيه ما يقرب من عشر سنوات وهناك قابل كثيرًا من العلماء الأندلسيين العائدين من المشرق العربي فاستفاد منهم ثم رحل إلى شرق الأندلس ، فأقام في " دانية" وكان أميرها يحب العلماء ويقربهم ويشجعهم على التأليف، وبقي بها حتى عام 436 هـ / 1044 م ثم عاد إلى " بطليوس " في الغرب حيث ولي قضاء " الأشبونة و شترين" واستمر بها حتى وفاة المظفر أمير " بطليوس" وفي عام 460 هـ / 1067 هـ عاد ثانية إلى شرق الأندلس وهناك كان يتردد بين " دانية" و " بلنسية " و" شاطبة " التي توفى فيها عام 463 هـ / 1070 هـ

    كان ابن  عبد البر يتمتع باحترام وتقدير أمراء الطوائف حتى من عرف منهم بالقسوة والفظاظة . وربما كان سبب ذلك حياده إزاء الخلافات السياسية من ناحية ومكانته العلمية من ناحية أخرى. وله مؤلفات كثيرة في الحديث والفقه والأدب والأنساب أشاد بها بعض العلماء وبخاصة علم الحديث ولعل اهتمامه بالحديث وتركيزه عليه راجع إلى تأثره بمن تتلمذ عليهم من كبار علماء الحديث. وقد تتلمذ عليه بدوره كثيرون من أبرزهم في الحديث والأنساب ابن حزم .

   عُدَّ نموذجا طيبا للعالم العامل بعلمه ، وقد آلمه ماراه في فقهاء عصره من مثالب خلقية وعقلية ، فعاب عليهم تبادل السباب والتشهير، كما عاب فيهم التعصب المذهبي والتقليد الأعمى للائمة مما دفعهم إلى رفض أية وجهة نظر أخرى إذا ما خالفت ما يقلدونه من أحكام المذهب المالكي  وكان ابن عبد البر نفسه مالكيا ألف في الفقه المالكي ولكنه كان متسامحا غير متعصب. ولقد قال عنه الحميدي(4) : "أنه عالم بالخلاف في الفقه وانه يميل إلى مذهب الشافعي وقد عده البعض في تلاميذ ابن حزم من الظاهرية(5) " ، ويبدو أن ميل ابن عبد البر إلى الفقه الشافعي كان ميلا نظريا تفرضه دراسة الآراء الفقهية المختلفة من خلال الأحاديث النبوية . وأن ظاهريته كانت تعاطفا وإعجابا بصديقه ابن حزم أكثر منها اعتناقا لأرائه ، لأنه كان من أئمة المالكية في الأندلس وممن وضعوا الكتب في الفقه المالكي.

-------------------------------------

(!)د. أمين أبو لاوي ، أصول التربية الإسلامية ، ط2002م ، ص284.

(2) علم الأنساب هو الذي يبحث في نسب القبائل العربية وأصولها وفروعها .

(3) عياض بن موسى ، ترتيب المدارك وتقريب المسالك ، بيروت ، دار الحياة ، ج3 ، ص 808 .

(4 ) أ[و عبدالله الحميدي ، جذوة المقتبس ، القاهرة ، الدار المصرية للتأليف والترجمة ، 1966م ، ص 367.

(5) الظاهرية : مذهب فقهي ظهر في العراق ثم انتقل للأندلس ، وقد أعاد تنظيمه ابن حزم ويقوم على استنباط الأحكام الشرعية من ظاهر النص الديني بلا تأويل أو مجاوزة الدلالة اللغوية .

 ولم يعرف عنه بأنه قد اُضْطُهِد عندما كان اضطهاد الظاهريين أمرًا شائعا في الأندلس.

وقد جاء في كتاب وفيات الأعيان :" أن من أهم ما تأثر به ابن عبدالبر  طلبه العلم على مجموعة من كبار المحدثين والفقهاء في عصره ، وكانوا ينتسبون إلى مدرسة الحديث وقد لازمهم وتأثر بهم حتى صار أحفظ أهل المغرب وإمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما (1) .

وكانت للظروف السياسية التي تعرضت لها قرطبة والأندلس وقتل فيها بعض أصدقاء ابن عبدالبر من علماء الأندلس أثر فيه فقد جعلته يغادر قرطبة ويتنقل بين غرب الأندلس وشرقها،  وقد تأثر أيضا بالندوات والمناظرات والمجالس الأدبية التي كان يحضرها لدى أمراء الطوائف وفيها ألف كتابه " بهجة المجالس وانس المجالس" وكان شغوفا بالعلم يحرص عليه من أي مكان ، ولذا تراسل مع بعض علماء المشرق العربي من أمثال أبي قاسم السقطي المكي ، وعبدالغني بن سعيد الحافظ ، وأبو محمد بن النحاس المصري . فاخذ عنهم وأجازوه.

كتاب ابن عبدالبر الأندلسي (جامع بيان العمل وفضله وما ينبغي في روايته وحمله )

  يوضح - رحمه الله - في هذا الكتاب مدى إلمامه بالأحاديث والقدرة على تبويبها وفقا لما تدور حوله من محاور.    

  وهذا الكتاب يدور حول قضايا تربوية يتصل بعضها بأمور مثل: مفهوم العلم وإعداد العلماء والمتخصصين، وما ينبغي أن يتسم به المعلمون وكانت أسانيده فيما يقدم من أراء تتصل بهذه القضايا غالبا أحاديث الرسول وأحيانا بعض آيات القرآن الكريم وبعض الأقوال المأثورة.

    وكثيراً ما يجد القارئ أن ابن عبدالبر كان يستغنى مما يورده من النصوص المختلفة عن أن يقدم راية بأسلوبه. وهو يقدم كثيرا من هذه الأحاديث في روايتها المختلفة بدون ترجيح أو تحليل لبعضها. وهذا ظاهر عندما تقرأ موضوعا مثل: العقاب أو التأديب. أو فضلا لعلم على العبادة وفي الجزء الثاني من كتابة بصفة خاصة تظهر شخصيته وآراؤه ظهورا متميزا وهو في هذا الجزء يقدم تصنيفين للعلوم من وجهتي نظر دينية وفلسفية، كما يضع منهجا لإعداد المتخصصين في الفقه والحديث(2) .

   يقول الدكتور عبدالله عبد الدايم :"  يدور- أي الكتاب -  حول معنى العلم وفضل طلبه وما يلزم العالم والمتعلم التخلق به والمواظبة عليه وما حمد ومدح فيه من الاجتهاد والنصب إلى سائر أنواع التعلم والتعليم ونقل ذلك وتلخيصه، وقد سلك الكاتب فيه مسلك المحدثين لأنه كان من أئمتهم، فهو يورد الفكرة والخبر في عنوان الفصل ثم يستشهد عليهما بما حفظ من الأحاديث النبوية والآثار الإسلامية.

   ويبين فيه أقسام العلم إلى فرض عين وفرض كفاية ومباح. ويذكر فصولاً مطولة في الحض على العلم وآداب العلماء وآداب المتعلمين وآداب المتناظرين والمفتين (3) "

 ------------------------------------------------------------------

(1) شمس الدين أحمد أبن خليكان ؛ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، القاهرة ، 1948م ؛ ج6 ، ص64 .

(2) عبدالبديع عبدالعزيز عمير الخولي ؛ الفكر التربوي في الأندلس ؛ دار الفكر العربي ؛ ط2 ، 1985م ؛ ص 92 .

(3) عبدالله عبدالدايم ؛ التربية عبر التاريخ من العصور القديمة حتى أوائل القرن العشرين ، عبدالله عبدالدايم ، بيروت ، دار العلم للملايين ط5 ؛ 1984م، ص 259 .

 الفكر التربوي عند ابن عبد البر القرطبي رحمه الله

    من كتب عن الفكر التربوي عند ابن عبدالبر رحمه الله فإنه يستعرضها من كتابه ( جامع بيان العلم وفضله )

1-    مفهوم العلم وأهدافه :

وإذا كان ابن عبد البر لم يحدد موادًا بعينها عند حديثه عن العلم كما كان عليه مفكرو الإسلام عادة حيث أنهم كانوا يقصدون بالعلم مزاد الدراسة التي يسعى طالبو العلم إلى الإلمام بمحتواها ،  فان اهتمامه العام يوضح انه كان يركز بصفة خاصة على مواد الدين.

 وهذا الاهتمام بمواد الدين كان عاما بين المفكرين ولذا اقتصر بعضهم مثل ابن عبد البر على هذه المواد ،   والنظرة الشاملة إلى الآثار التي أوردها ومنها الحديث المنسوب إلى الرسول " اطلبوا العلم ولو بالصين فان طلب العلم فريضة على كل مسلم "، والحديث :" من أدى الفريضة وعلم الناس الخير كان فضله على المجاهد العابد كفضلي على أدناكم رجلا" . مفهوم العلم عنده يشمل كل العلوم بلا تفرقة بين علوم دينية وأخرى مدنية، فالمسلمون لن يذهبوا إلى الصين من أجل الإلمام بدينهم أو من أجل تلقى فرع من فروع الدين. فكل علم فيه منفعة وفيه صلاح لشئون الحياة أمر محمود وله قيمته. لذا حث الإسلام على طلب العلم حتى لو كان من مشركين طالما أن المسلم لا يطلب علما عقائديا وهذا ما اعتقده ابن عبد البر " وروينا عن علي رحمه الله انه قال في كلام له : العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من المشركين ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه.

    والعلم عنده في منزلة تلي النبوة والوحي، والعلماء ويعني بهم العلماء المعلمين الذين يوصلون علمهم إلى تلاميذ لهم يحملونه من بعدهم هم ورثة الأنبياء وعليهم ما على الأنبياء من وجوب نشر العلم بين الناس وسوف يغفر الله لهم ذنوبهم ، ويدخلهم الجنة بغير حساب ، لأنهم دلوا عبادة على الخير وعلموهم كيفية العبادة . وهم عنده سبحانه أعلى منزلة من العباد والشهداء والشفاعة تكون لهم بعد الأنبياء وقبل الشهداء .

     أما عن أهداف العلم أو ما يمكن أن تسميه أهداف التربية فإننا نجد ابن عبد البر يؤكد ثلاثة أمور فيما يتصل بطلب العلم :

    الأمر الأول:  أن طلب العلم في حد ذاته عباده. والقيمة الدينية للعلم وطلبه يؤكدها ابن عبد البر بهذا الحديث الذي يقدمه في هذا السياق : " تعلموا العلم فان تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله قربة لأنه معالم الحلال والحرام".

    الأمر الثاني:  أن هذا النوع من العبادة - أي العبادة عن طريق طلب العلم - أفضل من العبادة المعروفة ويسوق في ذلك الحديث: " فضل العلم على العابد كفضلي على أمتي" .

    الأمر الثالث : أن العالم – بجوار الأهداف الدينية – يطلب أيضًا لتحقيق أهداف دنيوية ، وهو هنا يسوق للاستشهاد  ما قاله عبد الملك بن مروان لبنيه : يا بني تعلموا العلم فإن استغنيتم كان لكم كمالا وأن افتقرتم كان لكم مالا .

    فالعلم عند ابن عبد البر يهدف إلى إرضاء الله وخشيته وحسن العلاقة به في العبادة وتكوين علاقات طيبة بعباده .  

   كما يهدف إلى نفع المسلمين في دنياهم عقليا ووجدانيا وماديا. وإذا كانت أهداف العلم عنده بهذا الوضوح فهل وفق في تقديم نظرية تربوية متكاملة ؟ أم أنها آراء يعوزها الشمول والإحاطة لتكوين نظرية تربوية ؟ هذا ما سنراه منذ يبدأ حديثه الطويل عن المعلم والمتعلم.(1) .

   وهكذا فالعلم عند ابن عبدالبر – رحمه الله - يهدف إلى إرضاء الله وخشيته وحسن العلاقة به في العبادة كما يهدف إلى نفع المسلمين في دنياهم وصلاحهم .

    العلم عند ابن عبدالبر – رحمه الله – هو ( العلم الديني والدنيوي )، ويرى أن أهداف كسب العلم التي هي أهداف التربية تتضح في ثلاثة أمور :

 ( مفهوم العلم وأهدافه عند ابن عبدالبر – رحمه الله - )

2- المعلم و المتعلم :

   يتناول في هذا الجانب مكانه كل من المعلم والمتعلم ، وأخلاقياته وعلاقته بالآخر، كما يتناول بعض الصفات العقلية التي يجب أن يتصفا بها، والدور الذي يقوم به كل منهما لإثراء العملية التعليمية.

   فالمعلم : عنده في منزلة عالية، وهو أفضل من العابد والشهيد ،والملائكة وأهل السموات والأرض يدعون الله ويستغفرون له حتى الدواب والحيتان تفعل ذلك ، ومآله الجنة لأن الله قد غفر له ذنوبه لتعليمه الناس الخير ، وقد لاحظنا تفضيله للعلم فيما سبق فكيف بمن يعلمه .  

   وقد أورد بعض السمات الخُلُقية التي يجب أن تتوفر فيه فينبغي أن يكون : متواضعا ، حليما ، هادئا ، وقورا والتواضع الذي أورده يهيئ لتلاميذه في نظرنا أن يسألوه عما يجهلونه وبالحلم وبالهدوء ما يجعله صابرا على بطء فهم بعضهم وما قد يصدر عنهم من سخافات أو أفكار تافهة – و أما كونه وقورا فأمر لازم لتهيئة مجلس علمي يناسب مع عمله كمعلم. و في معاملته بزملائه يجب إلا يحسد أو يحقد على من هم أفضل منه ولا يتفاخر على من هم دونه.          

    وفيما يتصل بمعاملته لطلابه فيجب أن يعدل بين الفقراء والأغنياء، وان يكون قدوة حسنة لهم كما ينبغي أن يكون رفيقاً بهم فلا يضر بهم وأن تكون طريقته في التدريس مقبولة لديهم فيها تنويع وتشويق حتى يبعد عن نفوسهم الملل وان يراعي مستواهم وقدراتهم حتى لا يضطربوا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبدالبديع عبدالعزيز عمير الخولي ؛ الفكر التربوي في الأندلس ؛ مصدر سابق ، 95 .

      و أن ينبههم إلى أهمية تدوين الدروس وحفظها لأن ما يخاطب حاستين ونعني بهما السمع والبصر أقوى مما يخاطب حاسة واحدة.  ويجب على المعلم أن يهتم بتنمية شخصية المتعلمين واستقلالهم الفكري ويوجههم نحو النقد الذاتي بمراجعة النفس والنقد الموضوعي تجاه أفكار الآخرين فلا ينقادون وراء كل ما يروى من العلم . وعليه أن يشجعهم على الأسئلة والمناقشة والمناظرة لما له من أثر في مدارسه العلم ومراجعته .

ومن سمات المعلم المهنية أن يسعى إلى تعلم ما لا يعرف دون أن يمنعه من ذلك الحياء والحسد ولا يجوز له أن يدعي معرفة ما لا يعلمه. وعلى المعلم أن يسع أيضا إلى مزيد من النمو فيما يعرف ويكون ذلك عن طريق الدراسة الدائمة والمراجعة وعن طريق مناظرته ومناقشته لأمثاله فذلك قد يكون التخصص في فرع واحد يستزيد فيه وينتقي منه ما يحفظه ، وعليه أن يلتزم التيسير والتبسيط ولا يعنت طلابه بكثرة الواجبات.

                                         ( سمات المعلم عند ابن عبدالبر القرطبي – رحمه الله )

 

   ومن خلال هذه السمات التي ذكرها ابن عبدالبر – رحمه الله – يجد الباحث أن يسرد نصائحًا يسميها رسالة ابن عبدالبر للمعلمين وهي على النحو التالي :

أخي المعلم :

    هذه رسالة  يوجهها لك أحد علماء الفكر التربوي وهو شيخنا ( ابن عبد البر القرطبي ) المتوفى سنة  463هـ يقول فيها :

    لا بد أن تكون  متواضعا ، حليما ، هادئا ، وقورا ،  فتواضعك  يهي لتلاميذك  أن يسألوك  عما يجهلونه وبحلمك و هدوئك تكون  صابرا على بطء فهم بعضهم وما قد يصدر عنهم من سخافات أو أفكار تافهة ، أما الوقار  فأمر لازم لتهيئة مجلس علمي يناسب مع عملك كمعلم. تجنب الحسد والحقد على من هم أفضل منك من زملائك ،  ولا تتفاخر على من هم دونك.

       تعلم ما لا تعرف دون أن يمنعك من ذلك الحياء والحسد فإنه لا يجوز لك أن تدعي معرفة ما لا تعلمه.      

   واسع إلى مزيد من النمو فيما تعرف عن طريق الدراسة الدائمة والمراجعة وعن طريق مناظرتك ومناقشتك لأمثالك  فذلك قد يساعد على الوعي و يكون التخصص في فرع واحد تستزيد فيه وتنتقي  منه ما تحفظه ، وعليك أن تلتزم التيسير والتبسيط ولا تُعنِّت طلابك بكثرة الواجبات .     

   اعدل بين الفقراء والأغنياء من طلابك ، وكن قدوة حسنة لهم، ورفيقاً بهم ولتكن طريقتك في التدريس مقبولة لديهم فيها تنويع وتشويق فبذلك تُبعد الملل عن نفوسهم ، راع مستواهم وقدراتهم حتى لا يضطربوا ، نبههم إلى أهمية تدوين الدروس وحفظها لأن ما يخاطب حاستين - السمع والبصر - أقوى مما يخاطب حاسة واحدة.

    اهتم بتنمية شخصية المتعلمين واستقلالهم الفكري، وجهُّم نحو النقد الذاتي بمراجعة النفس والنقد الموضوعي تجاه أفكـار الآخرين فلا ينقادون وراء كل ما يروى من العلم . وعليك أن تشجعهم على الأسئلة والمناقشة والمناظرة لما لها من اثر في مُدارسه العلم ومراجعته.

    أخي المعلم: منزلتك عالية عند الله وعند الناس، فأنت أفضل من العابد والشهيد، والملائكة وأهل السموات والأرض يدعون الله ويستغفرون لك حتى الدواب والحيتان تفعل ذلك ، ومآلك الجنة لأن الله قد غفر لك ذنوبك لتعليمك الناس الخير .

-------

    أما المتعلم : فيذكر منزلته وسماته الخلقية والعقلية ومعاملته للمعلم. فمن حيث منزلته يضعه في مكانة تقارب منزلة المعلم .  

     والظاهر كما يرى الدكتور الخولي – ويراه الباحث -  أن ابن عبد البر وهو يتحدث عن المتعلمين كان يقصد المتعلمين الكبار لأن ما ذكره من سماتهم وواجباتهم وأخلاقياتهم تناسب المتعلم الكبير لا الصغير وهو لم يتحدث عن المتعلم الصغير إلا في فصل واحد من كتابه هو باب ( فضل التعلم في الصغر والحض عليه )  وقد أورد فيه بعض الآثار التي تحث على التعلم في الصغر لأنه كالنقش على الحجر، ولأنه استعداد لما قد يكلف به المتعلم في المستقبل من أعمال، أو يسال عنه من مسائل وقد رأى أن تأديب المتعلم صغيرا أمر سهل ، ولذا ربط بين التعلم في الصغر والتأديب والعقاب . وكان يرى أن الضرب بالعصا أمر ناجع في التأديب وروى في ذلك قول سليمان بن داود لابنه " يابني من أراد أن يغيظ عدوه فلا يرفع العصا عن ولده .

    وفيما يتصل بسمات المتعلم الخلقية والعقلية ينبغي عليه أن يبتغي من العلم طاعة الله وتحقيق الكمال لا المباهاة ويجب أن يظهر أثر التعلم في مسلكه وهيئته وأن يثابر في الطلب فيتحمل الألم و السعي حتى لو أبلي نعلين من حديد والمتعلم يتعلم ليكون حرًا في رأية مستقلا في شخصيته، لا يكون إمعة.

     وفيما يتصل بمعاملته لمعلمه عليه أن يوقره ويحترمه ويعظمه. محاولة فهم معلمه ومن ذلك توجيهه له أن ينتظر الوقت المناسب لسؤاله ، ويجب أن يحرص على الاستماع من معلمه أكثر من حرصه على الكلام وعليه أن يسال عما لا يفهم دون أن يمنعه عن ذلك حياء أو أنفة وليتذكر أنه باعتباره طالب علم ينبغي أن يطلب العلم طوال حياته.

    ويجب ألا يجمع الطالب بين طلب العلم وشيئًا آخرًا في فترة تحصيل أساسيات العلم ، وإذا استقل بنفسه وكان له عملاً يكسب منه عيشه فلا ينس طلب العلم ، فهو شيء يطلب مدى الحياة – فكأنه يشير ابن عبد البر – رحمه الله – هنا إلى ما نعرفه الآن بالتعليم المستمر ، أو تطوير الذات ، أو النمو المهني .

    واهتم ابن عبد البر بشخصية المتعلم فوجهة إلى أن يكون ذا رأي مستقل فيما يسمع ويقرأ وأن يناقش بفهم ووعي وقد اهتم بتوجيه المعلم إلى طريقة تدريس قوامها التيسير والتكرار ومراعاة مستوى طلابه والاهتمام بما يميلون إليه.

 3- المنهج وطريقة التدريس:

    يرى أن المنهج يجب تحديده وتقسيمه إلى أقسام مناسبة حتى يدرس على مهل واستيعاب، ويتدرج المتعلم في تحصيله – وهو ما نسميه الآن بتوصيف المنهج – وتقسيمه على أسابيع الدراسة المحددة وهذا دليل على وعيه التربوي الملحوظ، وتنظيمه للمادة الدراسية.

    وتنوع المادة العلمية في المنهج ويفصل بين دراسة العلوم وموضوعاتها بالأشعار والطرائف حتى لا تمل نفوس المتعلمين.

    وفيما يتصل بطريقة التدريس على المعلم أن يشجع طلابه على الاستفسار – ليس كما يفعل بعض المعلمين في هذا القرن بأن يكبتوا أسئلة طلابهم فلا يستوعبوا الدرس ولا يفهموه -  حتى يحيطوا بجوانب الموضوع وان يتقبل أسئلتهم بروح ودية فلعلها تحقق هدفا آخر غير الإثابة على العلم ويعني به تنبيه المعلم إلى ما غفل عنه.

    إن المعلم في أثناء تدريسه يختبر مستواه – وهذا ما يتضح لنا معاشر المعلمين - ويكشف عن احتياجاته التعليمية وعلى المعلم ليفيد طلابه أن يكون متخصصا في علم واحد ما عدا الأدب، فالأدب يتطلب تنوع الاهتمامات والمعارف، والأديب يأخذ من كل شيء أحسنه.

    وهناك فروق بين المتعلمين في القدرة على التحصيل والفهم يجب على المعلم مراعاتها – وهو يشير بذلك إلى الانتباه لما نسميه في علم النفس التربوي مراعاة الفروق الفردية - ومما ينبغي التدريب عليه للمتعلم تحري ما يقصده السائل قبل الإجابة عن سؤاله ، ويجب أن تكون حرية النقاش والجدال مكفولة – أي متعارف على أصولها -  لجميع المتعلمين  .

    وانتقاء من يصلح للتعليم واجب على المعلم فلا يجلس إليه إلا من يستحق التعليم وهو من يرغب التعلم ويستطيع التحصيل. أما جهد المعلم مع من هم دون ذلك فكجهد من يعلق الدر في أعناق الخنازير. فهو مهما فعل لن يخرج الخنزير عن طبيعته ، ولن يجعل منه حيوانا جميلا ، وهذا الرأي قد نجد فيه شيئًا من التشدد تجاه من يطلب العلم لأن طلب العلم نمو للمجتمع ، والطالب كما يُقال رجع صدى لمعلمه ، فربما من لم يفهم اليوم يفهم في الغد ، وإن كان الطالب لا يستوعب كبقية أقرانه لعيب خَلقِي فقد وضع له حلاً في أيامنا هذه وهي التربية الخاصة ، ومن خلال الوسائل التعليمية الجديدة قد يستوعب الطالب مادته الدراسية .

     وقد استمد ابن عبد البر هذه المبادئ فيما يتعلق بالمنهج وطرق التدريس من ثقافته الدينية وتجاربه التعليمية ويظهر أن المعلمين كانوا واضعي المنهج ومقرر به والمحددين لنوعية الطلاب الذين يتلقون عنهم العلم أو يروون لهم الأحاديث ولذا يرى ابن عبد البر أن الناس غير متساوين في حقوق العلم والتعلم تساويا مطلقا، لأنهم  غير متساوين في تقبله والحرص عليه وقد حذر المعلم من تعليم من لا يطلب العلم وليس عنده استعداد له .

4- نشر العلم:

    ويرى ابن عبد البر – رحمه الله -  قيام المعلم بهذا الواجب التزاما دينيا أوجبه الله تعالى على معلمي الأمة لا يكتمونه عن الناس لأن من " أتاه الله علما فضربه عن عباده ، واخذ به صفرا واشترى به ثمنا فذلك يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار ".

    وأن مسؤولية حمل المعرفة أو الحكمة إلى الآخرين لينتفعوا بها من خير القربات التي يتقرب بها المعلم من ربه .

     وقد حث ابن عبد البر– رحمه الله -   المسلمين على طلب العلم فإن أحدهم لا يدري متى يفتقر إلى العلم أو يحتاج إلى علمه وربما صغير لقوم اليوم يصبح كبيرهم غداً بعلمه – وهذه هي النظرة المستقبلية التي يغفلها كثير من الناس - . وقد رأى أن على الحاكم أن يأمر العلماء بنشر العلم بين الناس .

   ويتساءل مَن مِن الناس يتعلم ؟ وهل ينشر العالم علمه بين جميع الناس ؟ فإذا كانت المجالس خاصة بالعلماء وأشياعهم فان المساجد عامة لجميع المسلمين. وسلطة الحاكم لا تصل إلى مجالس العلماء . فمن حق العلماء إذًا عنده أن يجتمعوا و يتدارسوا في حرية ودون قيود من السلطة. ولكن سلطة الحاكم تصل إلى المساجد فهي دور عبادة ودور تعليم وهي مفتوحة لكل طالب علم. – وهو فيما سبق يشير إلى مجانية التعليم - .

     وقد حمل – رحمه الله -   العلماء مسؤولية  تبليغ العلم  وأنهم سيسألون عنه كما يسال الأنبياء والتبليغ يكون للجميع

    فالعلم حقا لجميع المسلمين عند ابن عبد البر ويجب أن ينشره العلماء بين جميع الناس لا تمايز بينهم، ولو انه أعطى المعلم حق انتقاء تلاميذه والحاكم مع العالم ملتزمان دينيا وأدبيا بنشر التعليم وتعميمه لئلا يكتموا ما أمرهم الله بنشره فينزل لهم العذاب.

5- الإنفاق والأجر على التعليم:

    ورأى ابن عبد البر أن أمر المال بالنسبة للمتعلم والمعلم ينبغي ألا يكون عائقا. أما بالنسبة للمتعلمين أو لطلاب العلم فانه يدعوهم إلى التفرغ للفقه وطلب العلم والاعتماد على الله فيما يتصل بهموم الدنيا ومنها هم الرزق فان الله ضامنه لمن يطلب العلم .

    ويرى أن على الدولة أن تنفق على طلبة العلم حتى يتفرغوا للطلب ولا يشغلهم عن العلم سعى في سبيل الرزق.

    وأما بالنسبة للمعلمين فانه يطلب منهم عدم الربط بين الأجر والتعلم، إذ يتوعد بالجحيم من يكتم العلم عمن لا يدفع أجرا لان الله أتاه علما.

    فهو يؤثم حبس العلماء العلم عمن لا يدفع ويفهم من ذلك انه يبيح اخذ الأجر فمن يستطيعه ويقدمه إذا ما نشر العالم علمه ولم يحبسه عن الناس . وإذا كان ابن عبد البر يبيح اخذ الأجر على التعليم بطريق غير مباشر فانه في نفس الوقت كان يعتبر العالم الحقيقي في مستوى لا يسمح له بقبول الأجر .

    6- تصنيف العلوم:

    يحدد أصول علوم الدين عند المسلمين ،  فيرجعها إلى أصلين هما الكتاب والسنة وما عداهما مثل الإجماع يعتبر مصدراً فرعيا يعتمد على المصدرين الأصلين.

   ثم يبين حد العلم والإتباع والتقليد والفروق الدقيقة بين العالم المجتهد والمقلد :

    فحد العلم هو : كل ما استيقنته وتبيينه. ويعتبر الإنسان عالما بالشيء مكتسبا صفة العلم إذا استيقن الشيء وتبينه.     

   الإتباع هو : إتباع الآخرين وتقليديهم على ما ظهر للإنسان من فضل قولهم .

    التقليد هو: إتباع الآخرين بدون معرفة الحقيقة فيما يقلد فيه، أو معرفة الحقيقة ثم مخالفتها هيبة للآخرين وتقليدا لهم.

    ويقسم ابن عبد البر العلوم أولا قسمين: علم ضروري وعلم مكتسب :

    العلم الضروري : فهو المسلمات العامة التي لا تحتاج إلى دراسة منظمة من اجل تحصيلها والوقوف على أدائها. وتشمل البديهيات مثل : استحالة اجتماع الأضداد.

    العلم المكتسب : فهو النظريات التي تحتاج إلى برهان ودليل . ومن هذا العلم ما هو خفي وما هو ظاهر فما قرب من العلوم الضرورية يعتبرها علوما شاهدة موجودة في كل وقت لأنها مسلمات حاضرة أما العلوم المكتسبة فيسميها علوما غائبة، لأنها لا تعرف إلا بأدلة راجعة إلى العلوم الضرورية.

    ومن خلال ما سبق في الحديث عن ابن عبد البر نجد أنه اهتم بالمعلم والمتعلم وطرق التدريس وغيرها من الأمور التربوية ووضع لنا فكره تجاهها وقد قال عنه الدكتور أحمد الحمد في كتابه (1) أن لابن عبدالبر – رحمه الله – آراء سديدة ، يجدها الدارس مبثوثة في مؤلفاته المتعددة ، وهي تنم عن شخصية تربوية عظيمة ، لها نظرات ثاقبة وأفكار نيرة في ميدان التربية وتلقي العلم ، وقد يدهش المرء عندما يجد أن معظم تلك الأفكار تتوافق مع ما وصلت إليه التربية االحديثة في عالم اليوم .

    وما يراه الباحث بأن ابن عبدالبر – رحمه الله -  قدم كعالم ومعلم وقاض أراء تربوية تعكس نظرته إلى العلم والتربية من داخل الدائرة التي كانت موضع اهتمامه ، وإن كان فيها شيء من التشدد في اختيار الطلاب إلا أنه دعا إلى ما نحتاجه اليوم فعلاً .

     ويرى الدكتور الخولي(2) : أن ابن عبدالبر ينقد العلماء ويظهر مثالبهم الخلقية والعقلية وهو داخل الدائرة العلمية المحدودة لا دائرة الاهتمام العام الواسع بالمجتمع وقضاياه الملحة سياسية واجتماعية ؛ ولذا كانت التربية عنده وسيلة إعداد للخاصة أو للعلماء الذين ينشرون العلم ويفيدون المجتمع لا وسيلة إعداد للموظفين تنميهم وتصلح بهم مجتمع الأندلس المثقل بالهموم،إنه لم ينظر إلى التربية والتعليم إلا في ضوء تكوين فئة مستنيرة أو ستكون بالعلم مستنيرة ولم يقترب من اهتمامات الشعب الأندلسي مثلما فعل معاصره ابن حزم.

ـــــــــــــــــــــ

(1) أحمد الحمد ، التربية الإسلامية ، دار إشبيلية ، الرياض ، ط1 ، 2002م ، ص 320

(2) عبدالبديع عبدالعزيز عمير الخولي ؛ الفكر التربوي في الأندلس ؛ مصدر سابق ، 122 .                                                                                                       

   نتائج البحث  :

    توصل الباحث من خلال هذا البحث إلأى الأمور  التالية :

1- أن الفكر التربوي وإعمال العقل فيه كان له أسبقية عند الأمم السابقة ، إلا أنه في الإسلام له طابع خاص ونكهة جديدة خاصة فيما يتعلق بدنيا الإنسان وآخرته .

2-          أن علماءنا المسلمين تميزوا بالوعي التربوي في طلب العلم وما يتعلق به .

3- أن العصور الإسلامية وإن اختلفت سياساتها إلا أن أصولها التربوية موحدة ، وهذا دليل على شمولية التربية الإسلامية وأصالتها .

4- ليس كل ماذكره علماؤنا المسلمين يصلح لزمننا هذا وإنما كان فكرهم يلائم عصرهم ، خاصة في الأساليب التعليمية وذلك بسبب التقدم العلمي والتكنلوجي .

5- أن التشابه واضح في فكر ابن جماعة وابن عبدالبر – رحمهما الله – رغم اختلاف المكان والفارق الزمني – وهذا دليل على أصالة المصدر وقوته .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 توصيات البحث :

    يرى الباحث بعد انتهائه من هذا البحث مايلي :

1-          أهمية البحث في التراث الإسلامي عن الفكر التربوي .

2-          ألمقارنة بين علماء التربية الإسلامية في فكرهم التربوي وإسقاطه على واقعنا .

3-          عرض الأفكار التربوية لعلماء المسلمين بصورة جديدة كما فعل الباحث برسالة ابن عبدالبر للمعلمين .

4- هناك من العلماء من يتهرب الباحثون في البحث  في أفكارهم التربوية نظرًا لقلة ما كُتب عنهم لذلك هم مجال خصب للباحثين التربويين .

5- لم يتمكن الباحث من دراسة أكثر من عالمين نظرًأ لضيق الوقت لذا يرى أن هناك علماء في العصر الحديث لهم آراء تناسب العصر من أمثال ( د. يوسف القرضاوي ، د. أحمد الكبيسي ، الشيخ بدالعزيز بن باز رحمه الله ) .

6-          يرى الباحث ضرورة وجود أبحاث في (السلسلة التربوية لأعلام الفكر الإسلامي عبر العصور ).

 الخاتمة :

     حوى هذا البحث في طياته الفكر التربوي لعالمين جليلين من علماء المسلمين هما:

 ابن عبدالبر القرطبي 368هـ - 463هـ  من خلال كتابه ( بيان جامع العلم وفضله ) .

 ابن جماعة الكناني 639هـ - 733هـ  ، و ابن عبدالبر القرطبي من خلال كتابه  ( تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم )

     وقد اختار  الباحث  دراسة فكرهما لما وجد فيه من حاجة لتطبيق لبعض الآراء في زمننا الحاضر ، وما لهما من فضل على التربية الإسلامية ، وبما أن الأمم السابقة تفخر بعلمائها وما لهم من فضل لما هم عليه ، فنحن كذلك لعلمائنا فضل ولهم آراء نفخر بها  .

    وقد قام الباحث بعرض نبذة وافية عن حياة كل عالم ، ثم طرح أفكارهم التربوية من خلال كتابيهما المذكورين ، ومن خلال الأفكار يطرح الباحث ما نجده موافقًا لهذا العصر في نظره ، وما قد نستغني عنه ، وقد عمد الباحث إلى بعض التصميم الجديد في عرض الآراء من خلال منظوره ؛ وذلك لبيان مدى فعالية آراء هذين العالمين لعصرنا الحالي رغم البون الزمني بيننا وبينهم .

    ثم  قام الباحث بوضع النتائج و التوصيات التي توصل إليها من خلال كتابته للبحث .

وأخيرًا أسأل الله جلَّ في علاه أن يجعل ما قدمته خالصاً لوجهه الكريم .

 وصلى الله وسلم على سيدنا محمد .

English
القرآن الكريم
الحديث الشريف
الموسوعة الفقهية
الزمن الذي لا يختصر
التربية وتحدى الحوار
أخلاق مهنة التعليم
الوجيز في التربية
الأدب النبوي
أهمية القرار في المؤسسات التعليمية
أسباب الإحباط وعلاجه
الجودة في التعليم العام
نظام التعليم
أهمية السياسة التعليمية
مستقبل التعليم في السعودية
الإصلاح التربوي
 
بحوث ودراسات تربوية
الطالب ومتغيرات العصر
 تنمية المسؤولية لدى الطلاب
الأهداف التعليمية والتربوية
أنواع التفكير وأهميته
مجالات التقويم التربوي

أخطاء شائعة لكتابة الأسئلة

 للاستفتاءات  بالرسائل العلمية

الصدق والثبات في الاستفتاءات
الفروق الفردية والتقويم التربوي
الاختبارات التربوية التحصيلية
أسس التقويم التربوي وأهدافه
 
 التخطيط التربوي والسياسات
استشراف مستقبل التعليم
مفهوم السياسة التعليمية
الإستراتجية التربوية
التخطيط الاستراتيجي
التخطيط التربوي
أبعاد ومقومات التخطيط الاستراتيجي
المؤشرات التربوية
مقالات في التخطيط
 
البحث العلمي
خطوات البحث العلمي
أدوات البحث العلمي
مناهج البحث العلمي
برنامج قالب البحوث والرسائل
قاعدة البحوث التربوية
منتديات تربوية
مقالات ومشاركات تربوية
مواقع تعليمية
 
هيئات ومنظمات
تعلم اللغة الإنجليزية
استشارات تربوية
مصطلحات تربوية
منتديات تربوية